Home سياسة العراق يكافح لعبور الاختبار الإيراني في “الدرس الكردي”

العراق يكافح لعبور الاختبار الإيراني في “الدرس الكردي”

4
0

مع دخول المهلة الإيرانية يومها الأخير، بدأت حكومتا أربيل وبغداد تنفيذ أولى خطوات الاتفاق الأمني لطرد أو إبعاد التنظيمات الكردية المناوئة لطهران في إقليم كردستان العراق، عبر إخلاء مواقعها في المناطق الحدودية المشتركة، فيما تسود الأجواء مخاوف من أن تعاود طهران هجماتها رغم الاستجابة لطلبها، فهل ستنجح بغداد في طي ملف يتجاوز عمره أربعة عقود؟

وانتهت، اليوم الثلاثاء، المهلة التي كانت حددتها طهران لبغداد بموجب اتفاق وقع في مارس (آذار) الماضي، ينص على طرد أو تحجيم التنظيمات الكردية المناوئة للنظام الإيراني الموجودة في العراق من جهة إقليم كردستان، ورفض مسؤولون إيرانيون خلال اليومين الماضيين أي احتمال لتمديد المهلة، وهددوا باستئناف الهجمات في حال الإخلال بالاتفاق.

يتزامن ذلك مع الذكرى السنوية الأولى للاحتجاجات التي اجتاحت المدن الإيرانية أثر وفاة الشابة مهسا أميني على يد شرطة الأخلاق بتهمة “خرق قواعد لباس المرأة”، حمل فيها النظام الإيراني هذه التنظيمات بالوقوف وراء إذكاء الاحتجاجات بخاصة في المدن الكردية، في وقت تحدثت فيه وسائل إعلام إيرانية رسمية عن إرسال “الحرس الثوري الإيراني” تعزيزات عسكرية إلى الحدود، ونقلت عن وزير الدفاع محمد رضا اشتياني قوله إن “رغم اتخاذ الجانب العراقي بعض الخطوات المهمة، لكنها لا تلبي كامل بنود الاتفاق، وسنقيم الأمر في الساعات الأخيرة ونتخذ قراراً على ضوء النتائج”.

إجراءات فعلية

ولمعاينة تنفيذ بنود الاتفاق، وصل أربيل، أمس الإثنين، وفد رفيع من حكومة بغداد برئاسة مستشار الأمن الوطني قاسم الأعرجي. وبحسب بيان لقيادة حرس الحدود فإن قائد الحرس العميد محمد عبدالوهاب سكر “تفقد قوات اللواء الثاني قيادة حرس الحدود الأولى في ناحية سيدكان، ونقاط التفتيش الجديدة في المثلث العراقي الإيراني التركي”.

سكر أكد “سعي وزارة الداخلية العراقية إلى فرض سيطرتها على كامل الحدود عبر إقامة حواجز جديدة ونصب كاميرات مراقبة حرارية”.

في الأثناء أفادت وسائل إعلام كردية بأن مقار حزبي “كومله” و”الديمقراطي الكردستاني” المعارضين لإيران أخليت في مناطق زركويز بالسليمانية وكويسنجق وسيدكان وبردى ضمن حدود محافظة أربيل، علاوة على مقر في جبل هلكورد الحدودي.

كما تلقى الرعاة والرحل في منطقة برادوست الجبلية قرب المثلث الحدودي العراقي الإيراني التركي، تحذيراً بمغادرة المنطقة خلال 24 ساعة، في وقت حذر فيه حزب “العمال الكردستاني” المناوئ لأنقرة من احتمال اشتباك مسلحيه مع قوات الحزب “الديمقراطي” الحاكم في أربيل.

وأعلن، اليوم الثلاثاء، مدير مدرسة في مخيم “جشنيكان” للأكراد الإيرانيين قرب أربيل عن “إغلاق المدرسة لمدة أسبوع من أجل سلامة الطلاب، تحسباً للتعرض لأي قصف إيراني مفاجئ”.

هجوم محتمل

وتتمركز معظم التنظيمات الرئيسة مثل الحزب “الديمقراطي” و”كوملة” في مناطق نفوذ الحزبين الحاكمين في إقليم كردستان، باستثناء حزب “الحياة الحرة” المعروف اختصاراً بـ”بجاك” الموالي لحزب العمال الكردستاني، الذي يتخذ من جبال قنديل معقلاً له.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي وقت سابق نظم ممثل “لجنة الدفاع عن أمني مواطني كردستان” خالد محمد خلال وقفة احتجاجية أمام مكتب مجلس النواب العراقي في السليمانية من أن “إيران تستعد لشن هجوم على مخيمات اللاجئين والتنظيمات الكردية المعارضة، رغم أن المخيمات يقطنها نساء وأطفال ولا تشكل أي تهديد على إيران”، موضحاً أن “حماية هؤلاء مكفولة بموجب قوانين ومواثيق أممية، وعلى بغداد الالتزام بها”.

وكان موقع “شارس بريس” المستقل نقل عن مسؤول رفيع في حزب الحرية الكردستاني قوله إن “عناصره لم يسلموا أسلحتهم كما أشيع، بل تم تغيير مواقعها كإجراء احترازي، وستكون مستعدة للدفاع عن النفس”، فيما ذكر حزب “كادحي كردستان” أنه “سحب عناصره من المناطق الحدودية”، لكنه تمسك في الوقت نفسه “بالاستعداد للرد على أي اعتداء”.

عقبات وتحديات

سيكون من الصعب على الجانب العراقي تطبيق كامل شروط الاتفاق في ظرف قصير ومنها نزع سلاح جماعات توجد في منطقة جغرافية معقدة منذ أربعة عقود.

ولم يتم إلى الآن فعلياً تشييد مخيمات لتكون تحت الرقابة العراقية، ووفقاً لتسريبات فإن الجانبين العراقي والإيراني كانا ناقشا عدة خيارات لحل قضية هذه التنظيمات، كان من بينها نقلها إلى معسكرات في محافظة الأنبار وتسليم بعض قادتها المطلوبين لدى الجانب الإيراني، وقد قابلته التنظيمات بالرفض، أو إبقائها في أماكنها شرط تجريدها من السلاح.

وفي هذا السياق، يعتقد المتخصص في الشأن الكردي ياسين عزيز أن “الحزبين الحاكمين في الإقليم حققا بعض بنود الاتفاقية، ومنها إبعاد ثكنات ومقار هذه التنظيمات عن الحدود، وربما تليها خطوات أخرى، فقد اتخذ لوائي حرس الحدود العراقي ومعظم عناصرهما من الأكراد في أربيل والسليمانية، بعض الإجراءات لإبعاد التنظيمات من مناطق قرب الحدود، منها منطقة سيدكان بأربيل وجبل هلكورد ومنطقة سركويز في السليمانية، لإثبات جدية حكومتي أربيل وبغداد في تنفيذ البنود”.

واستدرك “لكن واقعاً يستحيل تنفيذ كل البنود في ظرف أيام أو أشهر، بخاصة أن هناك تحفظات دولية من قبل منظمة الأمم المتحدة والإدارة الأميركية لكون أفراد هذه التنظيمات مسجلين رسمياً كلاجئين”.

وفي شأن توقعاته إزاء رد فعل طهران بعد انتهاء المهلة، قال عزيز “أعتقد أن إيران ستنفذ بعض الأنشطة العسكرية المحدودة، وستتجنب الدخول في العمق، لتظهر أنها حققت مكسباً في هذا الملف، لكن هناك هواجس من حصول اشتباك، رغم أن هذه التنظيمات أبدت مرونة مراعاة لموقف حكومة الإقليم، وعليه فإني لا أعتقد أن تتخذ خطوات من شأنها إلحاق الضرر بعلاقتها مع الإقليم”.

إجراء مضاد لواشنطن

وشنت طهران بين أعوام 2018 و2022 سلسلة هجمات وعمليات قصف استهدفت مواقع ومقار هذه التنظيمات استخدمت خلالها الصواريخ والطائرات المسيرة، وبحسب تقديرات مسؤولين أمنيين في الإقليم فإن مجموع تلك الهجمات يتجاوز 100 هجوم، كما يتهم مسؤولون في هذه التنظيمات جهاز الاستخبارات الإيراني باغتيال العشرات من أعضائها في مختلف مدن الإقليم.

ويثير توقيت الضغط الإيراني المتزايد في هذا الملف تساؤلات حول دوافعه وأبعاده فيما إذا كان يتجاوز ملف التنظيمات المناوئة التي توجد في الأراضي العراقية، منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وفي هذا السياق يتوقع الخبير الأمني والاستراتيجي أحمد الشريفي أن “تشن طهران هجوماً برياً لأن الهدف الإيراني لا يتعلق بمناوئيها فقط، بل بالتطورات في المنطقة، وتحديداً بالرغبة الأميركية في تغيير النظام في سوريا”.

ولفت إلى أن أحد أهم دوافع طهران في حال وضع يدها على جزء من إقليم كردستان، هو خلق ورقة تفاوض بشروط أكثر فاعلية، لذا فإن الاجتياح مرجح.

وأضاف أن “الضغط الإيراني في هذا التوقيت مرتبط بالضغط المتزايد على النظام السوري، حتى إن هناك رغبة روسية بهذا الاتجاه، لأنه في حال تغير هذا النظام معناه أن مبدأ العزل الجغرافي الذي اعتمدته الإدارة الأميركية لعزل الحدود بين العراق وسوريا عندما استبدلت قوات الحرس الوطني بأخرى قتالية محترفة، سيتحول إلى العزل السياسي أيضاً، بالتالي فقدان إيران لنفوذها في سوريا”.

ذريعة لتعزيز النفوذ

ووفقاً لسياسيين ومراقبين أكراد فإن إقليم كردستان تعرض، أخيراً، إلى ضغوط من حكومة بغداد التي يقودها تحالف “الإطار التنسيقي” الشيعي المقرب من طهران للتعاون في ملف التنظيمات الكردية الإيرانية، بعد التوتر في محافظة كركوك وتفاقم الخلاف على الموازنة الاتحادية، والتي دفعت رئيس حكومة أربيل مسرور بارزاني إلى إجراء مفاوضات مباشرة في بغداد، الخميس الماضي، تمخضت عن موافقة الأخيرة على دفع قرض للإقليم لمدة ثلاثة أشهر لتسديد مرتبات موظفيه.

ويعتقد الشريفي أن “ما حصل من توتر في كركوك إلى جانب مؤشرات أخرى في المنطقة أعطى انطباعاً لإيران بأن الأمور في العراق وسوريا لا تسير في صالحها، لذا تحاول فرض واقع حال عسكري، فهناك حشد إيراني، بينما قوات حرس الحدود العراقية التي انتشرت تعد قدراتها القتالية محدودة، وتقتصر واجباتها على منع التسلل وضمان أمن الحدود”.

وعن إمكان طرد هذه التنظيمات وفق المنطق العسكري، قال إن “البعض استجاب للمغادرة، لكن هناك قوى أخرى ترفض تسليم سلاحها بشكل قاطع، وفي العموم كان بالإمكان إيجاد تسوية، لكن يبدو أن الإيرانيين يحاولون إيجاد ذريعة، لأن المجتمع الدولي متمثلاً بالأمم المتحدة وحتى واشنطن، لن تسمح بتنفيذ شروط طهران التي لا تقتصر على إبعاد التنظيمات، بل تسليم المطلوبين منهم ونزع السلاح، وهي أساساً تقيم تحت مظلة الأمم المتحدة وفق معايير حقوق الإنسان، ولو كانت الشروط عراقية ولمقتضيات أمن البلاد لكانت التنظيمات قد استجابت بشكل أفضل”.

تهديد مواز

يترافق مع التهديد الإيراني تصعيد عسكري تركي ضد مسلحي “حزب العمال الكردستاني” في عمق مدن إقليم كردستان، إذ قصفت طائرة مسيرة مطار “عربت” الزراعي في السليمانية، مساء الإثنين، ما أسفر عن مقتل ثلاثة من أفراد جهاز مكافحة الإرهاب التابع لحزب طالباني وإصابة ثلاثة آخرين، بموازاة اغتيال قيادي في حزب “المؤتمر الوطني” الموالي للعمالي بعد اقتحام مقره في مدينة أربيل.

واعتبر الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة الاتحادية اللواء يحيى رسول الهجوم الجوي بأنه “عدوان وانتهاك لسيادة البلاد، وخرق لأحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة”، قائلاً “يحتفظ العراق بحقه لوضع حد لهذه الخروقات”.