Home سياسة ماذا تواجه إيران: ثورة أم انقلاباً أم نهضة؟

ماذا تواجه إيران: ثورة أم انقلاباً أم نهضة؟

13
0

أحيت الاحتجاجات والتظاهرات التي شهدتها إيران خلال ما وصفت بانتفاضة جينا – مهسا أميني العام الماضي الآمال بزوال النظام الديني في إيران أو تغييره أو زعزعته بعد أن نجا من انتفاضة 2009، والاحتجاجات الاقتصادية – الاجتماعية لعامي 2007 و2019.

انطلقت الانتفاضة التي رفعت شعار “المرأة، الحياة، الحرية” شعاراً رئيساً لها في 16 سبتمبر (أيلول) العام الماضي. هل انتكست تلك الانتفاضة – الأطول في تاريخ الانتفاضات المناوئة للنظام – حقاً؟ وإذا انتكست، لماذا؟ وهل هناك أمل في عودتها؟

نعم انتكست الانتفاضة التي كانت المرأة والشباب في مقدمها، وقدمت المئات من القتلى والألوف من الجرحى والمعتقلين، لكن إذا تصورنا أنها انهزمت أو انتكست إلى الأبد أو إلى فترة طويلة نقع في خطأ جوهري. فبحر الانتفاضة أو لنسميه بحر الشعب هدأ لفترة، لكنه وبسبب الحوافز التي خلقت ذلك الحراك الجماهيري الذي جلب انتباه العالم، وأعني الأزمات البنيوية والكبيرة التي يعانيها النظام الإيراني، وعلى رأسها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، سيهيج البحر مرة أخرى، وفي أول فرصة تقتضيها الظروف الداخلية، لأن حكومة إبراهيم رئيسي – ولا أي حكومة أخرى في هذا النظام – لم تستطع أن تحل تلك الأزمات.

هل هناك احتمال انقلاب عسكري في إيران؟

أي هل المشكلات المتجذرة التي يعانيها المجتمع الإيراني يمكن أن تؤدي إلى انقلاب عسكري؟ لا يوجد أي إمكان لوقوع انقلاب عسكري يقوم به الجيش الإيراني بسبب دوره المهمش بين القوات المسلحة الإيرانية، وقد سمعنا أحاديث عن احتمال قيام “الحرس الثوري” بانقلاب عسكري ضد المرشد الأعلى علي خامنئي، وحده أو بالتحالف مع رضا بهلوي ابن الشاه المخلوع الذي يدعي أن لديه مناصرين بين الحرس، أو بتشجيع قوى إقليمية أو غربية. وهذا احتمال مستبعد لأن إيران وخلافاً للعديد من دول المنطقة مثل مصر وسوريا والعراق وتركيا وباكستان وأفغانستان، لم تشهد في تاريخها المعاصر وقوع انقلابات عسكرية، لا في عهد الشاه ولا في عهد الجمهورية الإسلامية، وفي حالات نادرة جداً تم القضاء على الانقلابيين في المهد. وهنا يختلف دور الجيش العقائدي “القومي الشاهنشاهي” و”الإسلامي الجمهوري” إذ الطاعة المطلقة للشاه وولي الفقيه وليس للوطن، وللأمر جذور تاريخية تصل إلى ألوف السنين.

الثورة فشلت، لماذا؟

وبانتفاء موضوع الانقلاب العسكري في إيران يمكن أن نتحدث عن ثورة، فالعديد من المحللين يعتقدون بذلك، وأنا أرى أن هذه الثورة لم تبدأ في 16 سبتمبر 2022، بل كانت انطلاقتها الأولى في ديسمبر (كانون الأول) 2017، حين سمعنا ولأول مرة إعلان الشارع الإيراني بمعارضته الجناحين الحاكمين في إيران، الإصلاحيين والمحافظين. واستمرت الثورة من خلال الانتفاضة الدامية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 والتي سقط فيها نحو 1500 متظاهر بمن فيهم عرب أحوازيون. فعلى رغم كل هذا القمع المفرط المستخدم من قبل السلطة الدينية في إيران ضد أبناء شعبها لم تتمكن من سحق الحراك الذي يتجدد كل عامين أو ثلاثة، والعكس أيضاً صحيح، فالجماهير المستاءة والغاضبة لم تتمكن من إسقاط النظام على رغم كل الدماء التي سالت على أرض الشوارع وفي السجون، وبخاصة في “انتفاضة مهسا” العام الماضي أي إن هناك توازناً بين القوتين المتصارعتين في المجتمع الإيراني، لكن لماذا فشلت هذه الثورة التي كان وقودها دماء الشباب والشابات وملأت الشوارع والساحات بالهتافات المطالبة بنزع الحجاب القسري، وإلغاء التمييز ضد المرأة، والشعوب غير الفارسية، ومن ثم إسقاط النظام الإيراني؟

أولاً: لم تكسب معظم الطبقات المسحوقة في المجتمع الإيراني لأسباب مختلفة، منها عدم شمول شعارها الرئيس شعارات تهتم بالاقتصاد والمعيشة اليومية لهذه الطبقات، كما لم يلتحق الجيل السابق بالانتفاضة على رغم تأييده لها واقتصر الأمر على جيل التسعينيات أساساً.

ثانياً: مشاركة ضئيلة من قبل شعبين لعبا دوراً مهماً في تاريخ إيران الحديث: الأتراك والعرب.

إذ شارك الكرد والبلوش بقوة في ذلك الحراك الثوري، وقدموا المئات من الضحايا، إذ استمرت احتجاجات الشعب البلوشي حتى اللحظة وبشكل أسبوعي بعد صلاة الجمعة التي يؤمها المولوي عبدالحميد، رجل الدين البلوشي – السني البارز في زاهدان عاصمة إقليم بلوشستان، لكن لم يشارك الأتراك الأذريون إلا لمدة شهرين أو أقل في تلك الانتفاضة التي دامت نحو خمسة أشهر. ويعود هذا الامتناع عن المشاركة إلى ما أكده بعض الناشطين الترك “لا نريد أن نصبح مرة أخرى وقوداً لإحدى القوميات كي تستغل تضحياتنا ودماءنا لتسيطر مرة أخرى على زمام الحكم في إيران”. وهم يعنون بذلك القومية الفارسية التي استغلت ما قام به أتراك إيران من جهود حسمت الأمر لانتصار ثورتي الدستور 1906 وثورة فبراير (شباط) 1970 ضد الاستبدادين القاجاري والبهلوي من دون أن يعترف الفرس حتى بالقليل من حقوقهم القومية. وأما العرب فكانت مشاركتهم في انتفاضة العام الماضي أقل من الترك، والسبب يعود إلى خشيتهم من عودة الملكيين أو القوميين الفرس إلى السلطة مرة أخرى. ويتشابهون في ذلك مع الأتراك وهما الشعبان الشيعيان اللذان يصنفان من قبل الخطاب القومي الفارسي بأنهما غير آريين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ثالثاً: شخصية علي خامنئي، المرشد الأعلى القائد العام للقوات المسلحة، وعدم مرونته إزاء الاحتجاجات والتظاهرات، حتى تلك التي تعارض الحجاب القسري، إذ واجهها كلها بالحديد والنار خلال أعوام حكمه. فهو الذي ترعرع في عهد الشاه وسجن مع اليساريين والإسلاميين ونفي إلى بلوشستان آنذاك، يعرف جيداً أن أي مرونة يظهرها إزاء طلبات المتظاهرين والمحتجين يمكن أن تشجع الناس على طلب المزيد والمزيد، والتي في النهاية تؤدي إلى إسقاط النظام نفسه.

رابعاً: الحراك الأمني لنظام الجمهورية الإسلامية. استخدم النظام أجهزته الأمنية المختلفة وبخاصة وزارة الاستخبارات لشراء الذمم واختراق التنظيمات والأحزاب السياسية المعارضة والناشطة في الخارج – فارسية وغير فارسية – أو إيفاد عناصر مدجنة أمنياً إلى الخارج وبخاصة الدول الأوروبية وأستراليا وأميركا الشمالية. وقد استفادت هذه الأجهزة من تجارب للسافاك – جهاز الأمن الملكي – والتجارب التي حصلت عليها خلال محاربة المعارضة اليسارية و”مجاهدي خلق” والشعوب غير الفارسية. وقد شمل الاختراق المجموعات الملكية والقومية الفارسية وغير الفارسية ولعبت العناصر المخترقة دورها بدقة وبأشكال مختلفة شملت بعض المؤسسات الإعلامية والثقافية أيضاً.

وكما رأينا فالاستبداد المستدام والفجوات الجيلية والجنسية والطبقية والإثنية والتوازن بين القوى المتصارعة – أي غالبية الشعب والأقلية القمعية الحاكمة – حالت دون تقدم الانتفاضة إلى مرحلة الوضع الثوري. وسيستمر هذا الوضع حتى يميل التوازن لصالح الحراك الإيراني المعارض – وبخاصة في خارج إيران – وهذا في حاجة إلى مراجعة أدائه وسد الثغرات المشار إليها.

هل ستشهد إيران، ثورة أم نهضة؟

اعتبرت آنفاً أن حدوث انقلاب في إيران أمر مستبعد. فيبقى الخياران الباقيان: الثورة والنهضة. وأؤكد هنا أن المجتمع الإيراني يشهد نهضة وهي أعمق وأشمل من الثورة، لكنها يمكن أن تتجلى بشكل قيام ثورة أو بشكل تحول من نوع آخر، لكن ماذا أعني بالنهضة؟ وما تجلياتها؟ فمعنى النهضة هنا هو التغير الثقافي العميق الذي يشهده المجتمع الإيراني في أسسه الثقافية، بما فيها التقاليد الدينية والاجتماعية. فمنذ نحو عقدين من الزمن سمعت من علماء علم اجتماع إيرانيين أن هذه النهضة أخذت تنمو داخل رحم المجتمع الإيراني، وقد تجلى هذا المولود خلال انتفاضة 2022 بصور مختلفة. فأحد مظاهر هذه النهضة هو ما يوصف بالزواج الأبيض، أي الزواج خارج الشريعة الإسلامية، والذي يتم بين رجل وامرأة لا يعيشان بالضرورة في مسكن واحد. والآخر ما نشهده من عقد زواج يوصف بالزواج الآري أي نبذ الخطبة العربية الإسلامية المتعلقة بالنكاح والزواج الإسلامي واستخدام نص زواج فارسي غير ديني، وكما يتضح من اسمه يتسم هذا النوع من الزواج بحالة عنصرية قائمة على العرق الآري، كما نشهد عزوف العديد من عائلات قتلى انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” عن التهليل عند تشييع جنازة قتلاها واستبدال قراءة أشعار من ديوان “الشاهنامة” للفردوسي بها، كرمز للقومية الفارسية، أو عزف الموسيقى والرقص على ضريح المقتول، وكذلك إنشاد أناشيد وطنية لدى الكرد والأتراك الأذريين، بل وتجاوز الأمر قتلى الانتفاضة ليشمل بعض الوفيات أو قتلى حوادث المرور وما شابه ذلك. وأصبحت ظاهرة شبه عامة بين الجالية الإيرانية في الخارج، كما شاهدنا حفلات رقص في شوارع العاصمة طهران في عشرية محرم الأولى التي تشهد عادة التعزية الحسينية، ويعم اللطم والضرب على الأجساد. وقد قرأنا وصايا بعض المعدومين أو المقتولين خلال الاحتجاجات التي تختلف عن الوصايا الدينية التقليدية، وتستخدم لغة قومية علمانية غير دينية، كما أن هناك إحصاءات رسمية تؤكد أن نصف المساجد في طهران لا يزورها أحد، وشاهدنا قذف الفتيات والفتيان عمائم رجال الدين. لم يشهد المجتمع الإيراني مثل هذه الظواهر منذ رواج التشيع، بل وحتى منذ قبل الإسلام في إيران.

وفي مجال الشعوب غير الفارسية نشاهد أيضاً تطور الوعي القومي وازدياده المطرد ومشاركة هذه الشعوب – بخاصة الكرد والبلوش – في ساحات النضال الجماهيري جنباً إلى جنب مع الشعب الفارسي. وتقول الإحصاءات الرسمية إن نحو 30 في المئة من الكتب في إقليم عربستان تصدر بالعربية، و25 في المئة بالكردية في إقليم كردستان، و20 في المئة بالتركية في إقليم أذربيجان. وهذا قياس مع عهد الشاه الذي كان يمنع نشر الكتب بهذه اللغات وفي هذه الأقاليم منعاً باتاً. أضف إلى ذلك أن أكبر نسبة من المعتقلين في إيران – نحو 78 في المئة – هم من الشعوب غير الفارسية الذين لا يشكلون إلا 50 في المئة من عدد السكان. ومعظم أحكام الإعدام تصدر ضد الكرد والبلوش والعرب في إيران. هذه أيضاً ظواهر غير مسبوقة في تاريخ إيران. لذا يمكن القول إن إيران تشهد نهضة، وهي أعمق وأوسع من الثورة غير أنها ستطول نوعاً ما وستتجلى بشكل ثورة أم بشكل آخر من أشكال التغيير.