Home سياسة قصف “مصفاة الجيلي” يلقي بظلاله السوداء على اقتصاد السودان

قصف “مصفاة الجيلي” يلقي بظلاله السوداء على اقتصاد السودان

144
0

وقعت المنشآت النفطية ضمن المناطق المستهدفة في الحرب السودانية التي اجتاحت البنية التحتية المدنية، بحيث تعرضت أكثر من 120 منشأة حيوية لدمار شامل أو جزئي خلال الحرب، منها جسر شمبات الرابط بين مدينتي الخرطوم بحري وأم درمان، والقصر الجمهوري الذي يبلغ عمره أكثر من 190 سنة، ومطار الخرطوم الدولي والقيادة العامة للقوات المسلحة في قلب الخرطوم، إضافة إلى الأحياء السكنية والأسواق والمنشآت الصناعية والاقتصادية، بينما يتبادل طرفا القتال الاتهامات حول المسؤولية عن ذلك.

وتوسعت إبادة المدن واجتياح الأرياف، مما فاقم الكلفة الإجمالية للصراع التي تشمل كلفة بشرية هائلة، كما أن طول أمد الحرب واستمرار الخسائر يتسببان في حدوث آثار طويلة المدى تنعكس سلباً على إعادة الإعمار، لا سيما البنية المتعلقة بمصادر الإنتاج، ومن دون حل للصراع تزيد العواقب السياسية والاقتصادية وتقف عائقاً أمام تقديرات الخسائر المباشرة للحرب.

وتعرضت مصفاة النفط الرئيسة في السودان المعروفة باسم “مصفاة الخرطوم”  أو “الجيلي” لنشوب معارك في محيطها نحو خمس مرات بين الجيش وقوات “الدعم السريع” التي تسيطر على المنشأة ذات الأهمية الاقتصادية العالية، منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من عام، وتستخدمها لتزويد قواتها بالوقود.  

ونفذت القوات المسلحة أخيراً هجوماً برياً بعد حصار “الدعم السريع”، بدأ من تخوم المصفاة إلى محيطها، وكان على قدر من التعقيد مراعاة لسلامة البنية التحتية للمصفاة ومساكن العاملين.

 

 

وإلى جانب قوات الجيش وبعض القوات المتحالفة معها، اشتركت في الهجوم الأخير لاستعادة مصفاة الجيلي، “القوة المشتركة في إقليم دارفور” المكونة من حركتي “العدل والمساواة” بقيادة وزير المالية جبريل إبراهيم و”جيش تحرير السودان” بقيادة مني أركو مناوي الحاكم العام لإقليم دارفور، وتكونت هذه القوة من الحركات المسلحة في الإقليم عقب اندلاع الصراع لحماية المدنيين في الإقليم، ثم أعلنت انضمامها للقتال إلى جانب الجيش في أبريل (نيسان) الماضي.

ارتباط وثيق

 عندما انفصل جنوب السودان في 2011، وأصبح دولة مستقلة، أثر ذلك  في اقتصاد السودان، بحيث خسر 75 في المئة من احتياطاته النفطية لمصلحة الدولة الجديدة، ويقوم قطاعا النفط في السودان وجنوب السودان بدور حيوي في الاقتصادين ويرتبطان ارتباطاً وثيقاً ببعضهما بعضاً، فمعظم الأصول المنتجة للنفط تقع قرب الحدود المشتركة أو تمتد عبرها.

أثّر عدم الاستقرار السياسي والنزاعات المسلحة في إنتاج النفط، ونشبت خلافات حول تقاسم العائدات النفطية، وانخفضت أسعار النفط وتقلصت فرص الاستثمار، ولا يزال البلدان يتنافسان على بعض المناطق المحيطة بالحدود التي تم ترسيمها بموجب اتفاق السلام الشامل (نيفاشا) في 2005، بينما ظلت الخلافات حول منطقة أبيي وحقل هجليج النفطي بين ولاية جنوب كردفان في السودان وولاية الوحدة في جنوب السودان من دون حسم، لما لهذه المناطق من أهمية استراتيجية لقطاع النفط.

 

 

ونتيجة لذلك خرجت بعض مربعات الإنتاج  السوداني وأصبحت جزءاً من دولة جنوب السودان. أما مربعي الإنتاج الآخرين، فينتجان قرابة 60 ألف برميل يومياً تستخدمها مصفاة الخرطوم بصورة أساسية لتلبية الطلب المحلي.

وقال مدير الهيئة الاستشارية في جامعة الخرطوم نادر حسنين “يمتلك السودان وجنوب السودان معاً ما يقدر بنحو 5 مليارات برميل من احتياطات النفط الخام المؤكدة، وكذلك يمتلكان ما يقدر بنحو 3 تريليونات قدم مكعبة من احتياطات الغاز الطبيعي المؤكدة. ويُنتج معظم النفط الخام في السودان وجنوب السودان في حوض المجلد وحوض ملوط”.

 وأوضح أنه “في 2022 أعلن السودان خطة لرفع إنتاج النفط من خلال ثلاث مراحل لتحقيق الاكتفاء الذاتي للاستهلاك المحلي، مع توقعات بأن تستغرق الاستراتيجية من ثلاثة إلى خمسة أعوام بعد توفير التمويل اللازم”.

وأفاد حسنين بأن حصة السودان تصل إلى نحو 72 ألف برميل يومياً في اتفاق تحالف “أوبك+” الأخير المتعلق بخفض إنتاج النفط الخام خلال 2024، في حين تبلغ حصة جنوب السودان نحو 124 ألف برميل يومياً، ويستفيد السودان كذلك من النفط الذي ينتجه للجنوب، إذ يحصل على عوائد جراء نقل نفط جنوب السودان الذي يقدر حجمه بنحو 170 ألف برميل يومياً، إلا أن الاقتتال الحالي أعاق الروابط اللوجستية وأنابيب النقل بين حقول النفط في جنوب السودان.

 وتابع أن “السودان ظل يحصل على رسوم تُقدر بنحو 13 دولاراً للبرميل نظير عبور نفط جنوب السودان عبر خطوط الأنابيب إلى التصدير وفق الاتفاق الموقع بين البلدين في 2012، حتى انتهى العمل به في مارس (آذار) 2022، وفي مايو (أيار) 2022 بدأت المفاوضات بين البلدين حول تجديد اتفاق نقل نفط الجنوب مقابل 25 دولاراً للبرميل”.

تقليص الإمداد

توجد في السودان أربع مصافٍ لتكرير النفط، الأولى في بورتسودان وهي أول مصفاة أنشئت في البلاد عام 1964بالشراكة بين الحكومة وشركة “شل” لتكرير النفط مخصصة لتكرير النفط الخام العربي الخفيف المستورد من حقول السعودية والعراق، وتعمل بطاقة تصميمية 25 ألف برميل في اليوم وتنتج البنزين والكيروسين للطائرات والغازولين والفيرنس وغاز الطبخ، وآلت ملكيتها لحكومة السودان في 1999.

وأنشئت المصفاة الثانية “مصفاة أبو جابرة” عام 1992 كأول مصفاة لتكرير البترول السوداني وتبلغ طاقتها القصوى 2000 برميل يومياً وتنتج الفيرنس والغازولين والنافثا للاستهلاك المحلي في غرب البلاد، أما الثالثة فهي مصفاة الأُبيِّض وأنشئت في 1996 وتنتج الفيرنس والغازولين والكيروسين والنافثا وطاقتها الإنتاجية 15 ألف برميل يومياً وتغطي الحاجة المحلية لإقليم كردفان.

 أما الرابعة، فهي “مصفاة الجيلي” (شركة مصفاة الخرطوم المحدودة)، وهي الأكبر في السودان، وتضم مصفاة تكرير بطاقة 100 ألف برميل يومياً، وهي مشروع مشترك بين الشركة الوطنية الصينية لإنتاج البترول ووزارة الطاقة السودانية. ووُقّع الاتفاق لإنشاء المشروع في مارس 1997 وبدأ العمل رسمياً في مايو 1998 ودخل المصنع رسمياً في عملية الإنتاج في مايو 2000.

 

 

وكانت “مصفاة الجيلي” التي تقع على بعد 70 كيلومتراً شمال العاصمة الخرطوم، قبل اندلاع الحرب تغطي نحو 75 في المئة من حاجات البلد من البنزين، وقرابة 50 في المئة من الغازولين، وبعد الحرب سيطرت قوات “الدعم السريع” على الآبار التي تمدها بخام النفط في إقليم كردفان، أبرزها حقل بليلة في ولاية غرب كردفان، مما قلص الإمداد النفطي.

شراكة صينية

  من جانبها، تخطط دولة جنوب السودان لبناء مصافٍ لزيادة الطاقة التكريرية للبلاد وتقليل الحاجة إلى المنتجات البترولية المستوردة، وأنشأت مصفاة بانتيو وبدأت عملياتها التجارية في 2021، وهي تنتج الديزل والبنزين وزيت الوقود الثقيل من النفط الخام المحلي، مما يلبي بعض الحاجات الاستهلاكية للدولة.

  وقالت الوكالة الإحصائية والتحليلية التابعة لوزارة الطاقة الأميركية في تقريرها “موجز التحليل القُطري”، “لا تزال مصفاة الجيلي شراكة بنسبة 90 في المئة لحكومة السودان ممثلة بوزارة الطاقة، و10في المئة للشركة الوطنية الصينية لإنتاج البترول، وينحصر الاتفاق مع حكومة جنوب السودان في استغلال الخط الناقل لنقل خام الجنوب إلى الموانئ السودانية، وليس لحكومة الجنوب أي أسهم في شركة مصفاة الخرطوم”.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 وأضافت الوكالة أن “المصفاة كانت تغطي قبل الحرب كل حاجات السودان، ويصدر النفط الزائد عبر ميناء بشائر على البحر الأحمر عبر خط أنابيب بطول 1610 كيلومترات، مما يجعله أطول خط أنابيب في أفريقيا، وصدر البلدان نحو 125 ألف برميل يومياً من النفط الخام خلال عام 2023”.

تصعيد الهجمات

قبل اندلاع الحرب بأشهر قليلة، أُغلقت حقول النفط مرات عدة نتيجة لهجمات نفذتها الحركات المسلحة على حقل بليلة النفطي في الغرب، وفي حادثة أخرى صعدت هذه الحركات العمليات الأمنية قرب حقول النفط وداخل محطات المعالجة واحتجزت العمال، مما أجبرهم على ترك العمل، ونتيجة لذلك تقلصت إمدادات النفط بنسبة 14في المئة من الإنتاج الكلي، مما اضطر الحكومة السودانية إلى إكمال النقص في الخام لإنتاج الوقود محلياً من الخام الآتي من جنوب السودان، وخسر السودان خططاً لزيادة إنتاج النفط.

 وعن تلك الأحداث، ذكرت وقتها مديرة عام مصفاة الخرطوم منيرة محمود أن “مصفاة الخرطوم تتكون من جزءين أحدهما يعمل بصورة طبيعية، إلا أن الجزء الآخر أُجبر على التوقف بسبب توقف الضخ نتيجة للتخريب الذي تعرض له الخط الناقل للخام في منطقة الخرصانة بولاية غرب كردفان”.

ونوه مدير عام الاستكشاف والإنتاج النفطي الطاهر أبو الحسن بأن “التخريب الذي نتج منه إيقاف الخط الناقل لمزيج النيل تسبب في مشكلات بيئية للمنطقة”.

تأثير مباشر

 وكشف وزير الطاقة والنفط السوداني محيي الدين نعيم عن أن “السودان فقد نحو 210 آلاف برميل من الخام نتيجة تخريب مستودع الخام في مصفاة الخرطوم”، مشيراً إلى تدمير منشآت أخرى منها مستودع البنزين والغاز وقال “إنها كانت جميعها مليئة بالمنتجات البترولية، مما أدى إلى فقدان كميات مقدرة من المنتجات النفطية في مستودعات شركات التوزيع الموجودة في مركز التحكم بمصفاة الجيلي”.

وأوضح أن “إعادة إعمار قطاع النفط الذي جرى تدميره خلال الحرب الحالية تكلف 5 مليارات دولار”، منوهاً بأن خطة إعادة الإعمار أساسية لأنه يمكن بعد ذلك النظر في فرص الاستثمار، شارحاً أن “السودان لم يستغل سوى 20 في المئة فقط من احتياطاته النفطية المعروفة لتوليد الطاقة”.

وأكد نعيم أن “الحكومة تسعى جاهدة إلى تعظيم الإنتاج بسبب ارتفاع الطلب”، مضيفاً أن “السودان لديه حقول غاز محتملة في البحر الأحمر، ويجري تحويل محطات الكهرباء للاستفادة بصورة أكبر من هذا المصدر”.

 

 

 ومن المرجح أن يكون لتدمير “مصفاة الجيلي” للنفط تأثير كبير في الاقتصاد السوداني باعتبارها مورداً رئيساً للوقود للبلاد، وتثير الحادثة أيضاً مخاوف حيال سلامة البنية التحتية الحيوية الأخرى التي يمكن استهدافها في الاشتباكات المستقبلية.

وعلى رغم دعوة المجتمع الدولي طرفي النزاع إلى ممارسة ضبط النفس والدخول في هدنة تمهد لعقد حوار بهدف التوصل إلى سلام، إلا أن ليس هناك ما يشير إلى أن الأطراف المتحاربة في السودان على استعداد للتراجع أو وقف الحرب، وبذلك يستمر الصراع.

ويؤثر توقف “مصفاة الجيلي” بصورة مباشرة في توافر المواد البترولية لمختلف القطاعات الاقتصادية المهمة مثل الزراعة والصناعة والنقل والكهرباء، مما يفاقم من معاناة السودانيين. ورُصدت حالات لجوء السودانيين إلى بدائل أخرى مثل الفحم والحطب، مما ينعكس سلباً على الغطاء النباتي.

يُشار إلى أن صادرات السودان وجنوب السودان النفطية مكونة من خام “مزيج النيل” و”دار” الذي يُصدر عبر ميناء بورتسودان إلى أسواق آسيا عبر مضيق باب المندب، ونظراً إلى عدم وجود طرق عبور بديلة، فإن باب المندب يُعدّ نقطة تفتيش ذات أهمية استراتيجية، ويمكن أن يؤدي أي انسداد أو إغلاق بفعل تهديدات ميليشيات الحوثي إلى زيادات كبيرة في وقت الشحن وكلفه.

تهديد الصادرات

  وأثار تجدد القصف في أبريل الماضي وتسببه في إحداث مزيد من الأضرار بـ”مصفاة الجيلي” وخسائر فادحة في بعض الوحدات واحتراق بعض خزانات الخام، مخاوف دولة جنوب السودان من تعرض صادراتها النفطية البالغة نحو 150 ألف برميل يومياً للتهديد، إذ تمتلك ثالث أكبر احتياطات نفطية في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، بعد أنغولا ونيجيريا.

 وكانت وكالة “ستاندرد أند بورز غلوبال إنسايتس” أفادت بأن “شركة دار للنفط في دولة جنوب السودان، المكونة من شركة البترول الوطنية الصينية وبتروناس الماليزية وشركات أخرى، أعلنت حالة القوة القاهرة في تحميل مزيج دار من النفط الخام من جنوب السودان في فبراير (شباط) الماضي بسبب تمزق خط أنابيب النفط في الخرطوم الذي ينقل صادرات نفط جنوب السودان، وأُلغيت حمولة شحن واحدة في الأقل تبلغ 600 ألف برميل من النفط كان من المقرر تحميلها في الـ 22 والـ23 من فبراير 2024 “.

وأضافت الوكالة أن ” تمزق خط الأنابيب يأتي وسط الحرب المستمرة في السودان، ويعتمد جنوب السودان على خطوط الأنابيب والمصافي السودانية، فضلاً عن ميناء بورتسودان على البحر الأحمر لتصدير 150 ألف برميل من النفط يومياً”.

 

 

 وصرح وزير الإعلام في دولة جنوب السودان مايكل مكوي لويث إلى هيئة إذاعة جنوب السودان بأن “بعض خطوط أنابيب النفط التي تنقل النفط من جنوب السودان إلى السودان تشهد عملية تبلور أثناء عمليات إيقاف تدفق النفط، يمكن أن يتحول النفط الخام إلى تركيبة تشبه الهلام مما يجعل إعادة تشغيل التدفقات أكثر صعوبة ويعوق وصول النفط الخام إلى أسواق التصدير”.

وأضاف أنه “حتى لو وصل الخام إلى ميناء بورتسودان فلن يكون من الممكن شحنه للبيع بسبب التهديد بعرقلة الشحن في البحر الأحمر”.

ولتجنب الاعتماد على طريق واحد، تدرس دولة جنوب السودان إيجاد طرق بديلة لتصدير النفط عن طريق البر عبر إثيوبيا إلى ميناء جيبوتي، وتقوم ببناء الطريق من مصفاة النفط في بانتيو إلى قوقريال لنقل النفط المكرر وتوفير مساحة للتخزين، أما الطريق الكيني المحتمل الآخر عبر ممر النقل بين ميناء لامو وجنوب السودان وإثيوبيا، فهو غير مؤكد بسبب أعوام من التأخير في استكماله.

ويؤثر انقطاع النفط في جنوب السودان بصورة إضافية في واردات الصين من النفط. وكانت بكين أكبر مستهلك لنفط جنوب السودان في 2021، إذ حصلت على 65.7 في المئة من صادراتها النفطية، وتتمتع الصين بعلاقات نفطية طويلة الأمد مع جنوب السودان بعد خلافته السودان في إنتاج النفط عقب الانفصال.