Home سياسة كريستوفر مارلو صاحب “الثري المالطي” عاش مظلوما في ظل شكسبير

كريستوفر مارلو صاحب “الثري المالطي” عاش مظلوما في ظل شكسبير

133
0

من الصعب أن تمر أية مناسبة للحديث عن المسرح الإليزابيثي الإنجليزي في زمن شكسبير ورفاقه من مؤسسي العصر الذهبي لذلك المسرح، من دون التوقف طويلاً عند واحد من أقطابه المقلين على أية حال، كريستوفر مارلو الذي سبق أن تناولناه مراراً في هذه السلسلة. لكننا نتناوله هذه المرة تحديداً من خلال الذكرى المئوية الخامسة لظهور كبرى مسرحياته “ثري مالطا اليهودي” التي تقارن عادة بمسرحية شكسبير الكبيرة “تاجر البندقية”. ونعرف أن “ثري مالطا” لم تظهر للمرة الأولى إلا بعد مقتل كاتبها بأعوام عدة لتتزعم منذ ذلك الحين مسرحيات ذلك الكاتب وتشغل الأكاديميين من خلال المقارنة بينها وتلك المسرحية الشكسبيرية.

مفارقة بين كاتبين

ولنبدأ حديثنا هنا على أية حال بالعودة لمارلو نفسه الذي مات باكراً عام 1593، ومع ذلك اعتبر معاصراً لشكسبير إلى حد ما، إذ إنهما ولدا في العام نفسه 1564 حتى إن كان مارلو توفي قبل شكسبير بسنوات عدة. والمدهش أنه إذا كانت الشكوك أحاطت دائماً بشخصية صاحب “هاملت” و”الملك لير” على رغم حيوية مسرحياته وحضورها وتميزها، فإن شيئاً يشبه اليقين هيمن دائماً على وجود مارلو، وربطه بمسرحياته قليلة العدد. بل إن هذا اليقين وصل ببعض المؤرخين إلى اعتبار مارلو، ليس في حقيقة أمره سوى الكاتب الذي اختفى خلف شخصية شكسبير، “الوهمية” في رأيهم، ليكتب أعظم مسرحياته. ومع هذا لم يعِش مارلو سوى 29 سنة. أما فترة الخصوبة في كتابته المسرحية فلم تزِد على ستة أعوام، هي تلك التي انقضت بين حلوله للمرة الأولى في لندن وظهوره المدوي في حياتها المسرحية، ثم رحيله في الـ 30 من أيار (مايو) 1593، إذ تقول سيرته إنه قتل يومها خلال شجار حاد حصل بينه وصديقه إنغرام فرايزر في حانة قرب لندن.

ومهما يكُن من أمر، فإن تلك الأعوام القليلة كانت وكما أشرنا مراراً وتكراراً، كافية لمارلو ليبدع بعض أهم الأعمال المسرحية في تاريخ الأدب الإنجليزي، وكانت كافية كذلك لبعض المؤرخين والباحثين حتى ينسبوا إلى مارلو أعمال شكسبير العظيمة. واللافت هنا أن ثمة بين الباحثين من يركب حكاية غريبة، وإن لم تكُن عصية على التصديق على أي حال، تقول إن مارلو لم يقتل في ذلك اليوم خلال الشجار، بل إنه هرب واختفى، وراح يكتب باسم مستعار هو “ويليام شكسبير”، تلك المسرحيات التي خلدت بعد رحيل الاثنين.

فاتحة لحداثة ما…

سواء كان هذا صحيحاً أو لا، فإن بعض مسرحيات مارلو التي لا يزيد عددها على ست مسرحيات كما أشرنا، يبدو رائعاً روعة أعمال شكسبير. ومن بين هذه المسرحيات، واحدة لا تزال حية ومثيرة للدهشة حتى يومنا هذا، ونعني بها مسرحية “يهودي مالطا الثري” التي تعرف أحياناً بـ”يهودي مالطا”. والواقع أن هذه المسرحية تحمل من التجديد والابتكار في موضوعها وفي تركيبة شخصياتها ما يجعلها تعتبر فاتحة حداثة ما في الكتابة المسرحية، إضافة إلى أن مارلو عزز فيها من تلك العلاقة التي كثيراً ما تفنن كتاب المسرح الأوروبيون في ذلك الحين، في مجال إقامتها بين المسرح والتاريخ المعروف، إذ من الواضح أن مارلو استخدم في المسرحية أحداثاً حصلت بالفعل، ثم صاغ من حول تلك الأحداث حكاية وابتدع شخصيات لغاية سياسية واضحة وهي الترجمة الفنية لأفكار ماكيافيللي حول السلطة والصراع على السلطة، والتأثر والتأثير المتبادلين بين النزعات الفردية وحركة التاريخ. وفي هذا الإطار تبدو “ثري مالطا” واحدة من أكثر الأعمال المسرحية دلالة، ويرى كثيرون أنها في هذا البعد، في الأقل، تتفوق على معظم أعمال شكسبير التاريخية التي تدور من حول الموضوع نفسه، لا سيما في مجال أساسي، إذ إن مسرحيات شكسبير تبدو في هذا المجال وعظية، تحاول أن تستخلص دروساً أخلاقية، حتى لو حدث أن انتصر الأشرار، فيما تبدو “ثري مالطا” بعيدة من الوعظ ومن الدرس الأخلاقي، غارقة في الماكيافيللية حتى أعمق أعماقها. (وهو بعد كان مارلو دنا منه مرة أخرى تختلف عما فعل في “ثري مالطا” عام 1590 حين كتب واحدة من آخر مسرحياته وهي “تامبرلين العظيم” التي تبدو وكأنها مسرحة حقيقية لأمير ماكيافيللي).

العثمانيون على الخط

تتحدث مسرحية “ثري مالطا” على أية حال عن حقبة سيطر فيها الأتراك العثمانيون على حوض البحر الأبيض المتوسط وطالبوا حاكم جزيرة مالطا المسيحي فيرنيزي بدفع جزية لهم. والحاكم، للحصول على المال الكافي لدفع الجزية، عمد إلى مصادرة نصف ممتلكات اليهود الذين يعيشون في الجزيرة. وحين يحاول باراباس، أحد كبار الأثرياء اليهود، الاحتجاج يقوم الحاكم بمصادرة أمواله كلها، بما في ذلك دارته التي يحولها الحاكم إلى دير. وهنا تدخل أبيغايل ابنة باراباس الدير في محاولة منها للعثور على الثروة الذهب التي كان أبوها خبأها داخل دارته. وباراباس، من أجل الانتقام من الحاكم، يدفع ابن هذا الأخير ورفاقه من الذين يتوددون عادة إلى أبيغايل، إلى المبارزة فيقتلون. فتشعر أبيغايل بالندم والأسى لما حصل وتقرر هذه المرة، أن تدخل سلك الرهبنة حقاً، لا عن خداع. يغضب باراباس لما حدث ولاعتناق ابنته المسيحية، ويسمم كل من في الدير بمن فيهم ابنته والذين أغروها بأن تصبح راهبة. في تلك الأثناء يكون الأتراك عادوا مطالبين بالجزية. لكن فيرنيزي يرفض أن يدفع لهم، إذ كان ضمن لنفسه حماية الإسبان له ولجزيرته. وهنا يسارع باراباس إلى مساعدة الأتراك ويمكّنهم من غزو الجزيرة فيعيّنونه حاكماً عليها.

باراباس يقع في الفخ

لكن باراباس يجفل أمام ضخامة الأحداث ويخاف على مستقبله، فيعيد الحكم إلى فرنيزي في مقابل أن يعيد إليه هذا الأخير ثروته وأملاكه ويتولى حمايته. في الوقت نفسه ينصب باراباس فخاً للقائد التركي ورجاله ويدعوهم إلى مأدبة في دارته، بغية قتلهم. لكن فرنيزي يكون علم بكل ما سبق لباراباس أن دبره، بما في ذلك تسببه في مقتل ابنه في المبارزة… وهكذا يقرر الانتقام والتخلص منه، ويتمكن من إيقاع باراباس في الفخ الذي كان هذا نصبه للأتراك. وفي خضم ذلك يصبح الحاكم التركي تحت رحمة فرنيزي. ويتعهد هذا الأخير بأن يطلق سراحه في مقابل أن يبارح الأتراك الجزيرة تاركين أهلها وحاكمها يعيشون في سلام.

من الواضح أن جزءاً كبيراً من الأحداث التاريخية، حقيقي. ولكن من الواضح كذلك أن مارلو لم يكُن مراده أن يقص تلك الأحداث. كان يريد، فقط، أن يطبق نظريات ماكيافيللي التي كان شديد الإعجاب بها منذ قرأ كتاب “الأمير”، على عمل فني ذي دلالة. ومهما يكُن هنا، بعد انتهاء الأحداث التي رويناها في “ثري مالطا”، وذهاب الأتراك واستعادة فرنيزي لمنصبه، يظهر ماكيافيللي على المسرح ويخاطب الجمهور بصورة مباشرة، شارحاً مساوئ السلطة وحسناتها، وكيف يجب أن تكون. ومارلو لا يكتفي بهذا، بل إنه يجعل من باراباس نفسه، وطوال مشاهد المسرحية متحدثاً باسم ماكيافيللي، إذ إن جملاً حوارية عدة يتفوه بها باراباس أتت مقتبسة من نصوص ماكيافيللي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وصولاً إلى مذابح باريس

حين كتب كريستوفر مارلو “ثري مالطا” كان في الـ25 من عمره. وهو كتبها في الوقت نفسه الذي كتب فيه تلك التي يرى كثيرون أنها أعظم مسرحياته “دكتور فاوستوس”. وعدا عن هاتين المسرحيتين كتب مارلو اثنتين عن “تامبورلين العظيم” ومسرحية عن “ديدون ملكة قرطاجة”، ومسرحية عن “إدوارد الثاني” ملك إنجلترا. أما مسرحيته الأخيرة، فكانت بعنوان “مذبحة باريس” التي تحدث فيها مارلو عن إبادة البروتستانت الهوغونوت في فرنسا. ولا بد من أن نذكر في هذا المجال أن معظم أعمال مارلو وصل إلينا مشوهاً لأن الرجل لم يعنَ خلال حياته القصيرة بنشر أعماله أو ضبطها. ومارلو الذي ولد عام 1564 ابناً لصانع أحذية تمكن من الحصول على تعليم جامعي مبكر. وعُرف بذكائه وثقافته الواسعة. ويرى بعضهم أن الرحلة التي قام بها إلى القارة الأوروبية كانت رحلة تجسس. وعرف مارلو أيضاً بطبعه الإجرامي وميله إلى التشرد والمبارزات. وهو كان يمضي لياليه في الحانات صاخباً معربداً… ومن هنا يرى كاتبو سيرته أن “نهايته كانت طبيعية ومتوقعة”. كما كان طبيعياً أن يكون بطله باراباس، واحداً من أول الأبطال “الإيجابيين الأشرار” في تاريخ المسرح.