Home سياسة الجزائر تطمح إلى منافسة المغرب في السياحة “الصحراوية”

الجزائر تطمح إلى منافسة المغرب في السياحة “الصحراوية”

118
0

لا يزال قطاع السياحة في الجزائر يطرح نفسه كواحد من المواضيع الشائكة التي تستحق الاهتمام، فعلى رغم الطبيعة الخلابة والتنوع الثقافي الغني والإمكانات الهائلة، إلا أن البلاد تواجه تحديات تعوق تحقيق النمو المستدام والاستفادة القصوى من الموارد السياحية المتاحة في إطار تنويع الاقتصاد والتخلص تدريجاً من ريع النفط الذي يعتبر المصدر الأول لمداخيل البلاد، مقارنة بدول مجاورة قطعت أشواطاً معتبرة في استغلال إمكاناتها السياحية.

وبعد عقود من الركود، قررت الحكومة الجزائرية في ديسمبر (كانون الأول) 2022 تخفيف إجراءات الحصول على التأشيرة بالنسبة إلى السياح الراغبين في زيارة الصحراء جنوب البلاد، بحيث يمكن دخولهم من دون الحاجة إلى طلب تأشيرة من السفارات والقنصليات.

وذكرت وزارة الداخلية الجزائرية وقتها في بيان أنه تقرر تمكين الأجانب الراغبين في القيام برحلات سياحية جنوب البلاد من الاستفادة من تأشيرة التسوية مباشرة، عند وصولهم إلى المنافذ الحدودية والمطارات والمعابر البرية عوضاً عن ترتيبات التأشيرة العادية، مشيرة إلى أن القرار يتعلق بالسياح الوافدين بواسطة الوكالات السياحية الجزائرية ويهدف إلى “ترقية السياحة الصحراوية”.

وتشكل الصحراء الجزء الأكبر من مساحة الجزائر بنحو 2.4 مليون كيلومتر مربع، وتضم معالم سياحية كثيرة مثل محمية الطاسيلي الجبلية والمشهورة بالرسومات داخل كهوفها التي تعود لفترة ما قبل التاريخ.

وفي بداية ديسمبر 2022 أعلنت الخطوط الجوية الجزائرية عن افتتاح خط مباشر من باريس إلى مدينة جانت الصحراوية جنوب شرقي البلاد بمعدل رحلة واحدة في الأسبوع “ضمن استراتيجية الترويج للسياحة الجزائرية”.

وفي فبراير (شباط) الماضي، صنف موقع “سكاي سكانر” الأميركي المتخصص في الحجوزات الفندقية والجوية، العاصمة الجزائر كثاني أفضل وجهة سياحية في العالم لعام 2024 بعد مدينة فارو البرتغالية وقبل مدينة نيس الفرنسية ومدينتي دالامان وأنطاليا التركيتين، بحيث جاءت في المرتبة الثالثة والترتيبين الرابع والخامس على التوالي.

وقالت المنصة إن “العاصمة الجزائر مدينة سياحية مدهشة بفضل هندستها المعمارية الفريدة، إلى جانب الوجود البارز للمساجد والقلاع، مما يعزز تجربة السياح”.

وكان تقرير دولي لصحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية بداية عام 2023 أدرج الجزائر ضمن الـ 52 وجهة سياحية دولية التي ينصح السياح بزيارتها، فاحتلت صحراء طاسيلي الجزائرية المرتبة الأولى عربياً والثالثة أفريقياً والـ 22 عالمياً، سبقتها مدينة أكرا الغانية التي جاءت في المرتبة التاسعة عالمياً والأولى أفريقياً، وبعدها جاءت صحراء ناميب في جنوب أفريقيا الـ 17 عالمياً والثانية أفريقياً.

أرقام وآفاق

وقال وزير السياحة الجزائري مختار ديدوش لوكالة “بلومبيرغ” إنه “تم إصدار 10 آلاف تأشيرة لزيارة الصحراء في العام المنتهي في فبراير 2024، ومع ذلك بلغ إجمالي عدد السياح إلى الجزائر 3.3 مليون خلال الـ12 شهراً الماضية، مدفوعاً إلى حد كبير بالأشخاص الذين يزورون الأصدقاء والعائلة في الجزائر”، موضحاً أن البلاد تهدف إلى وصول عدد السياح لـ10 ملايين شخص بحلول 2030.

وذكر أن الحصول على التأشيرة لزيارة الصحراء يتطلب 10 أيام على أقصى تقدير، فيما يتعين حجز الرحلات من خلال وكالات السفر المعتمدة في الجزائر، وعادة ما تصطحب الزائرين قوة أمنية مرافقة.

وبحسب ديدوش، لم يتجاوز عدد الوافدين 2.7 مليون سنوياً خلال العقد الماضي، وتسهم صناعة السياحة بنسبة اثنين في المئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، إذ إن غالبية الزائرين المسجلين هم من الوافدين الذين يرتبطون بروابط عائلية بالجزائر، ويُسمح لهؤلاء بالدخول بسهولة.

 

 

وبخصوص البنية التحتية وهياكل الاستقبال، تابع ديدوش أن هناك حالياً 1600 فندق تقدم خدمات مناسبة للمسافرين الدوليين بسعة تراوح ما بين 150 ألفاً و160 ألف سرير، معترفاً بأن “هذا لا يكفي لاستيعاب تدفق أعداد كبيرة من السياح”.

ويسهم قطاع السياحة الجزائري بنحو اثنين في المئة فقط من إجمالي الناتج المحلي، مقارنة بـ14 في المئة في تونس، بينما تتوافر هذه الأخيرة على طاقة استيعاب تقدر بقرابة 331 ألفاً، ويعبُر أكثر من مليون جزائري الحدود كل صيف لقضاء إجازاتهم في تونس، حيث تكون العروض أكثر تنوعاً والأسعار معقولة.

وتعاني الجزائر قصوراً في التسويق والترويج للوجهات السياحية، على رغم تنوع الأماكن السياحية لديها، إلا أن الجهود المبذولة في التسويق لهذه الوجهات ليست كافية، مما يؤدي إلى عدم جذب السياح بالصورة المطلوبة.

إمكانات وعراقيل

وقال المحلل الاقتصادي عبدالقادر سليماني إن فتح الجزائر أبواب الصحراء الكبرى للسياح الأجانب قرار مشجع من شأنه تحفيز قطاع السياحة الصحراوية سواء المتعلق بالأجانب وحتى بالنسبة إلى السياحة الداخلية. وأوضح أن قطاع السياحة في الجزائر ما زال بعيداً من المساهمة في الاقتصاد الوطني بصورة فاعلة على رغم إمكانات طبيعية عدة تتوافر عليها البلاد، خصوصاً في الجنوب الكبير ومنطقة الأهقار وبشار وغرداية وغيرها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أضاف أن السياحة لم تكن ضمن أولويات صانع القرار في الجزائر لأن البلاد كانت ولا تزال تعتمد بصورة كبيرة في مداخيلها على النفط وقطاعات الصناعة والفلاحة والخدمات، مشيراً إلى أن دخول الجزائر في دوامة “العشرية السوداء” في التسعينيات جعل قطاع السياحة بها متأخراً، فاتجه السياح إلى وجهات أخرى في دول مجاورة. وأفاد سليماني بأن من بين أسباب تعطل قطاع السياحة في الجزائر، الممارسات الإدارية والبيروقراطية في منح التأشيرات وعدم وجود سلاسة في النظام المصرفي لصرف العملات ودفع السائح الأجنبي للجوء إلى السوق السوداء لصرف العملة، إضافة إلى غياب الفنادق والمنشآت السياحية التي لم يستثمر فيها القطاع الخاص والحكومي بالصورة الكافية، ناهيك عن اقتصار نشاط الوكالات السياحية على الحج والعمرة فقط وعدم السعي إلى استقطاب أفواج السياح من الخارج.

وذكر أن قانون الاستثمار الجديد منح مجالاً أوسع أمام القطاعين الخاص والحكومي للاستثمار في قطاع السياحة وأيضاً المستثمرين الأجانب على غرار منتجع سكيكدة الذي أُنجز بالشراكة مع مستثمرين سعوديين. ولفت إلى أن تمويل بناء المنتجعات السياحية يدخل في إطار سياسة الدولة، إذ أعطت الحكومة تعليمات للمصارف بتمويل المشاريع الفندقية، خصوصاً في المناطق الجنوبية والجبلية ومنح تحفيزات وإعفاءات ضريبية للمستثمرين وتشجيعهم، مضيفاً أن المناطق الجنوبية تحظى باهتمام كبير في خطط إنعاش السياحة حتى تصل إلى خمسة في المئة كمساهمة في الناتج المحلي الخام لأنها تشغل كثيراً من الأيدي العاملة وتحرك عجلة التنمية في القطاعات المرتبطة على غرار النقل والثقافة وغيرها.

وتشير الخطوات التي أعلنت عنها الجزائر باتجاه تعزيز الاستفادة من المقومات التي توفرها الصحراء الكبرى للسياحة، إلى حجم التحديات المرتبطة بالمساحة الشاسعة التي تتربع عليها الصحراء والتي تجعل من الصعوبة بمكان، توفير التغطية الأمنية واللوجستية لجميع السياح المحتمل توافدهم على هذه المناطق، خصوصاً تلك المتاخمة للصحراء الغربية المتنازع عليها بين المغرب وجبهة “بوليساريو” التي تطالب باستقلال الإقليم.

 

 

وتطرح مساعي الجزائر لتنشيط السياحة الصحراوية احتمال وجود تنافس مع جارتها المغرب، إذ من شأن انفتاح الجزائر التدريجي على استقطاب مزيد من السياح نحو صحرائها تقليص حصته من المداخيل التي يوفرها قطاع السياحة الذي تعتمد عليه الرباط كثيراً في دعم موازنتها العامة، فيعتبر ثاني مصدر للنقد الأجنبي في البلاد خلال 2023 بعد تحويلات المغتربين المغاربة في الخارج.

مقارنة مغاربية

وبحسب الإحصاءات الرسمية لوزارة السياحة المغربية فإن عدد السياح الذين زاروا البلاد بلغ 14.5 مليون سائح في 2023، بزيادة 34 في المئة مقارنة بـ2022، بينما بلغت عائدات السياحة من النقد الأجنبي 105 مليارات درهم (10.5 مليار دولار) خلال 2023 مقارنة بـ93.6 مليار درهم (9.3 مليار دولار) خلال 2022 بزيادة 12 في المئة.

وفي فبراير الماضي، أعلنت وزيرة السياحة المغربية فاطمة الزهراء عمور اعتزام المملكة استقطاب 17.5 مليون سائح بحلول 2026، وأضافت في كلمة بمجلس النواب أن بلادها تسعى “إلى تحقيق عائدات تبلغ 120 مليار درهم (12 مليار دولار) في القطاع السياحي وخلق 200 ألف فرصة عمل”.

وقال المتخصص في القطاع السياحي الزبير بوحوت إنه لا مجال للمقارنة بين الجزائر والمغرب في السياحة بالنظر إلى الأرقام المحققة في البلدين سواء من حيث عدد السياح الوافدين أو المداخيل من العملة الأجنبية. واستبعد بوحوت أن تكون هناك “منافسة كبيرة من الجزائر للمنتجات السياحية المغربية لأن الحكومة أعطت مكانة كبيرة للقطاع الذي يدر أكثر من 10 مليارات دولار”، مردفاً أن “المغرب يتميز بمكانته القارية ففي 2019 كان يحتل المرتبة الأولى أفريقياً من حيث عدد السياح”، وأشار إلى أن مصر هي المنافس الوحيد للمغرب في القارة، بعد أن ربحت مجموعة من الأسواق خلال جائحة “كوفيد- 19” بسبب سياستها الصحية التي لم تكن صارمة إلى حد كبير في التعامل مع الوافدين من الخارج. وأفاد بأنه حتى نهاية مارس 2024 تجاوز عدد السياح الذين زاروا مصر بضعة آلاف ممن زاروا المغرب.

ولفت إلى أن “المغرب يشارك باستمرار في المعارض الدولية الكبرى كمعرض برلين في ألمانيا ومعارض أخرى في بريطانيا وإسبانيا وفرنسا وسويسرا، وهذا الوجود على المستوى الدولي منحه هذه الفرص للرفع من حجم التوافد السياحي على البلاد”. وقال بوحوت إن “المغرب  لديه خريطة طريق، ففي 2024 سيتحقق توافد أكبر للسياح بعد تعزيز الرحلات الجوية الدولية مع الدول المصدرة للسياح” ويراهن على استقطاب 17.5 مليون سائح بحلول 2026، خصوصاً أنه مقبل على تنظيم تظاهرات رياضية ومؤتمرات دولية كبيرة، على رأسها كأس أفريقيا لكرة القدم 2025 وكأس العالم لكرة القدم في 2030 مشاركة مع إسبانيا والبرتغال.