Home سياسة “بريق موصوم” قصة الذهب المصري من التنقيب إلى التهريب

“بريق موصوم” قصة الذهب المصري من التنقيب إلى التهريب

115
0

دمغ الذهب خارج “المصلحة”

لكن، ماذا بعد عملية التنقيب والاستخراج والسبك والدمغ، كيف يُطرح هذا الذهب في السوق المصرية؟ وتحت أي مسمى؟ ومن يسيطر عليه؟

الإجابة جاءت من داخل حي الجمالية العتيق بوسط القاهرة، حيث يجلس صاحب إحدى شركات الذهب، بجوار خزانة حديدية ضخمة. ورغم ضيق المكان الذي يقع في الدور الأرضي بإحدى بنايات الحي، تظهر لنا الحياة النابضة في هذا المكان الذي تتداخل فيه الحواري والأسرار، بينما تروي البناية قصة تطور صناعة المعدن الأصفر على مر السنين.

صاحب شركة الذهب، الذي طلب عدم كشف اسمه أو اسم شركته، يقول: “سوق الذهب في مصر يسيطر عليه ثلاثة أفراد فقط، وهم (ر. ع) المسؤول عن استخراج وتنقيب الذهب، و(م. م) المسؤول عن الذهب المهرب، و(ج. م) المسؤول عن توزيعه على الشركات، وثلاثتهم يعملون لصالح شخص معين (رفض تسميته)”. مشيراً إلى أن “سوق الذهب تعمل وفقاً للتسعيرة التي يحددونها، لأنهم يحتكرون الذهب الخام”.

ويكشف المصدر، في حديثه لـ”اندبندنت عربية”، أن “60 في المئة من الذهب المتداول في السوق المصرية، بخاصة ذهب المناجم أو المهرب، يُدمغ خارج نطاق المصالح الرسمية، وذلك حتى يمكنهم إعادته مرة أخرى خارج البلاد وبيعه بالعملة الصعبة، ثم بيع الدولارات المتحصّلة في السوق السوداء”.

ويلفت المصدر إلى أن “نسبة كبيرة من الذهب يُدمغ بعيار أعلى من حقيقته. وأقول لك إنه إذا رغبت المصلحة في التفتيش على محال الصاغة ستجد أن 60 أو 70 في المئة من الذهب عياره أعلى من العيار الحقيقي، لأنه دُمغ بأقلام مستوردة من الخارج وخارج المصلحة”.

ودعا صاحب شركة الذهب السلطات المصرية إلى إحلال وفحص جميع كميات الذهب المتداولة، والتحقق من مطابقة عيارها بدقة، كما طالب بالتحقيق في كميات الذهب التي تدخل مهربة يومياً عبر الحدود المصرية، وتصل إلى 50 كيلوغراماً على الأقل يومياً، والتحقق من كميات الذهب المستخرجة من المناجم التي يسيطر عليها البلطجية لصالح رجال الأعمال. مشيراً إلى أن الدولة تتكبد خسائر ضخمة تصل إلى ملايين الدولارات وأطنان من الذهب لصالح أفراد بعينهم.

وفي تصريحات صحافية سابقة عام 2020 لرئيس مصلحة الموازين والدمغة السابق اللواء عبد الله منتصر، أكد أن 75 في المئة من أسواق الذهب تفتقر إلى رقابة المصلحة بسبب نقص العمالة، رغم وجود تشريع يفرض على كل حائز مشغولات ذهبية الخضوع لرقابة المصلحة ودفع الرسوم المقررة. علماً أن نظام تكويد الذهب بواسطة QR Code نُشر في الجريدة الرسمية عام 2014، لكنه لم يُطبق حتى الآن، رغم إعلان وزارة التموين المصرية العام الماضي بدء تنفيذه. ويتضمن الدمغ بالليزر بهدف الحد من التلاعب.

تواصلت “اندبندنت عربية” مع ناجي فرج، مستشار وزير التموين لشؤون صناعة الذهب، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وبسؤاله عن سبب عدم تطبيق نظام الدمغة بالليزر حتى الآن، أكد أنه سيطبق قبل نهاية عام 2023، وحتى نشر التحقيق لم يطبق القرار لأسباب غير معلومة.

وبسؤاله حول ما ذكرته المصادر بأن 60 في المئة من الذهب المتداول في السوق المصرية دُمغ خارج المصلحة الرسمية، نفى ذلك. مؤكداً أن السوق “منضبطة وتحت السيطرة من الإسكندرية حتى أسوان (يقصد جميع أرجاء مصر)”. لكن ما كان لافتاً في حديث فرج لـ”اندبندنت عربية” في المكالمة ذاتها، ما أكده أن مصلحة الموازين والدمغة بالتنسيق مع التجارة الداخلية أقامتا مزاداً على نحو 120 سبيكة ذهبية كانت قد “جُمعت من خلال مضبوطات جرت مصادرتها”.

وعن حجم الذهب الذي دُمغ عام 2023، أكد فرج أن مصلحة الموازين والدمغة دمغت 60 طناً من الذهب، إضافة إلى 2.5 طن من خلال مبادرة الإعفاء الجمركي للمصريين العاملين بالخارج. لكن، مصادر موثوقة بسوق الذهب، طلبت عدم ذكر أسمائها، أكدت أن حجم تداول سوق الذهب في مصر تخطى 200 طن، معللين ذلك أنه وفق مجلس الذهب العالمي فإن أعلى فترة تاريخية لشراء الذهب كانت عام 2023.

ودللت المصادر على كلامها بأن “مبيعات إحدى الشركات المتخصصة في السبائك تخطت طن ذهب  شهرياً، والسوق تحتوي على أكثر من 200 تاجر جُملة، إضافة إلى المصانع (الذين يبيعون الذهب لتجار التجزئة والمحال)”. وتساءلت: “ماذا عن كميات الذهب الذي جرى تصديره؟”، مؤكدة أن ما لا يقل عن 30  طناً من الذهب المتداول “غير معلومة المصدر تتداول بالسوق المصرية”.