Home سياسة بريطانيا تستعد للحرب… مهمة ملحة يحدها الوقت والتمويل  

بريطانيا تستعد للحرب… مهمة ملحة يحدها الوقت والتمويل  

36
0

بعد تفجر الحرب الروسية- الأوكرانية في فبراير (شباط) 2022. اتضح للبريطانيين، كغيرهم من الأوروبيين، أن السلام الذي تعيشه القارة العجوز منذ عام 1945 قد انتهى. وهناك حاجة لتطوير جيش المملكة المتحدة استعداداً لحرب عالمية ثالثة تحت راية “الناتو”، أو مواجهة يغيب عنها الحلف الدفاعي لأسباب سياسية أو عسكرية أو لوجستية.   

الخصم الأبرز في الحرب المتوقعة هم الروس، وبحسب نائب وزير الدفاع البريطاني الجنرال روب ماجرون، فإن جيش المملكة المتحدة اليوم لن يصمد في مواجهة مباشرة مع هذا العدو “أكثر من شهرين”. فهو لا يعاني نقصاً في التسليح فقط، وإنما يئن أيضاً تحت وطأة تقشف في الإنفاق، وتراجع مستمر في عدد قواته البرية منذ عقدين على الأقل. 

ثمة تقارير برلمانية تؤكد أن الدعم البريطاني لأوكرانيا في مواجهة روسيا، أثر في إمكانات جيش المملكة المتحدة. وتقارير أخرى تقول إن كل ما بذلته حكومة لندن لتعزيز قدرات الدولة العسكرية منذ عامين لم يبلغ الطموح أو يصل إلى المستوى المطلوب. وبالتالي ما زالت البلاد تعول على شركائها في حلف شمال الأطلسي إذا ما استدعت الحاجة.

وسائل إعلام محلية كشفت أخيراً عن “خطة دفاع وطني” تعمل عليها حكومة رئيس الوزراء ريشي سوناك. ولكن الأمر يحتاج وفق مختصين، إلى كثير من الاستعدادات المالية والسياسية والعسكرية. حتى أنه يستوجب نشر ثقافة جديدة في المجتمع تحث سكان المملكة المتحدة على الانخراط في إعداد العدة لحرب مقبلة يمكن أن تقع في أي لحظة الآن.

خطة دفاع وطني

بحسب شبكة “سكاي نيوز” الإنجليزية، بدأت حكومة ريشي سوناك مع الجهات المختصة في الدولة، بوضع خطة لحرب ممكنة مع عدة خصوم. وقالت مصادر مختلفة للشبكة إن الأمر يتطلب توسعاً في الإنفاق الدفاعي، والتواصل مع الفعاليات المختلفة لتهيئة المجتمع البريطاني تمهيداً لمرحلة يمكن أن يشارك الجميع فيها مبكراً بالاستعداد للحرب.

رئيس الوزراء أكد قبل أشهر قليلة، عدم وجود أفكار لفرض تجنيد إجباري على البريطانيين. وجاء ذلك حينها، رداً على رئيس أركان الجيش السير باتريك ساندرز، عندما قال إن بلاده قد تلجأ إلى “النفير العام” إذا خاضت حرباً كبيرة في السنوات القليلة المقبلة. فحجم الجيش برأيه، ليس كافياً واستدعاء قوات الاحتياط لن يشكل فارقاً ملحوظاً.

تستعد بريطانيا لإجراء مناورة حربية الأسبوع المقبل، تحاكي حرباً يمكن أن تنخرط فيها الدولة فجأة. وإلى جانب هذا، يبحث المختصون في أروقة الحكومة عن خيارات الاستفادة من تجارب المملكة المتحدة في الحرب العالمية الثانية. فيفتشون في أوراق الأرشيف الوطني. ويدرسون سبل تطوير القاعدة الصناعية العسكرية بهدوء وسرية.

السؤال الآن هو، هل استجد ما يستدعي “خطة الدفاع الوطني”، أم أن الحكومة أدركت جدية التحذيرات التي يطلقها القادة العسكريون البريطانيون منذ عام على الأقل؟ حتى أن جنرالات أميركيين صرحوا في أكثر من مناسبة خلال الفترة الماضية، إن جيش بريطانيا بات صغيراً جداً، ولا يمكنه خوض حروب ضد دول كبيرة مثل روسيا والصين.      

تأثير دعم أوكرانيا

يقول تقرير برلماني حديث، إن الدعم العسكري المقدم لأوكرانيا لا يحسب من موازنة وزارة الدفاع البريطانية. حيث تقدمه خزينة الدولة ويظهر كموازنة تكميلية للجيش. أما المعدات العسكرية التي ترسل للأوكرانيين، فإما أن تكون من مخزونات جيش المملكة المتحدة، أو تشتريها لندن لمصلحة كييف من دول لديها فائض في مخزونات السلاح.

بحسب التقرير البرلماني ذاته، قدمت بريطانيا لأوكرانيا منذ بداية الغزو الروسي عليها قبل أكثر من عامين، ما يربو على 12 مليار جنيه استرليني على سبيل الدعم. منها 7.1 مليار كمساعدة عسكرية صرفت على 3 دفعات، الأولى بقيمة 2.3 مليار في 2022، ومثلهم في العام الذي تلاه، ثم دفعة بنحو 2.5 مليار أنفقتها مطلع العام الحالي.

قدمت المملكة المتحدة للأوكرانيين أسلحة كثيرة ومتنوعة لصد الهجوم الروسي على مدار عامين متتالين، من بينها مدافع ومضادات طائرات ودبابات، طائرات مسيرة، منظومات دفاع جوي، مركبات دفاعية مدرعة، منظومات صواريخ طويلة المدى، إضافة إلى 14 دبابة من طراز “تشالينجر 2” اقتطعت من أسطول دبابات الجيش البريطاني.

وإضافة إلى المال والسلاح، أطلقت المملكة المتحدة برامج طويلة لتدريب القوات الأوكرانية. المرحلة الأولى تضمنت تدريب 30 ألف أوكراني وانتهت في عام 2023. والثانية سيتم فيها تأهيل 10 آلاف آخرين حتى منتصف العام الحالي. كما تخطط لندن لتوسيع مجالات التدريب لتشمل الطائرات المقاتلة والمسيرات وأسلحة جديدة بالنسبة لأوكرانيا.

 

ولطالما أكد المسؤولون البريطانيون ضرورة دعم أوكرانيا لمنع الروس من التمدد في القارة الأوروبية. هذا الهدف بحد ذاته يتطلب أكثر من مساعدة كييف، كما أن “أمن المملكة المتحدة وحلفائها أصبح عرضة للخطر المقبل من دول أخرى كإيران والصين”، وهو ما يحتاج وفق وزير الدفاع غرانت شابس، استعداداً مسبقاً لحرب قد تكون عالمية.

ويتضح من الاستعدادات الجديدة، نية الحكومة رفد خطط الدفاع بمزيد من الدعم والتمويل. وبخاصة بعد أن كشف تقرير برلماني مختص، وجود عجز في تمويل مشاريع تطوير الجيش وأسلحته، بلغت قيمته أكثر من 16 مليار جنيه استرليني. ونوه التقرير إلى أن حاجة وزارة الدفاع تزيد على موازنتها، حتى بعد رفعها لأكثر من 50 مليار جنيه.

وزير الدفاع غراند شابس قال أخيراً إن بلاده تعتزم إنفاق 2.5 في المئة من ناتجها الإجمالي على شؤون الجيش بمختلف قواته. ولكن وزيرة شؤون الحكومة بيني موردنت، أكدت لاحقاً أن معدل الإنفاق هذا قد لا يكون كافياً. وبخاصة بعدما كشفت أزمة الملاحة في البحر الأحمر بعد حرب غزة، عن وجود عيوب تسليحية في سفن البحرية الملكية البريطانية.

القاسم المشترك بين جميع دعوات تعزيز الجيش هو الإقرار بتعثر الجهود الحكومية في هذا الشأن لأسباب مالية بالدرجة الأولى. فالاقتصاد الوطني يواجه تحديات داخلية وخارجية عدة. وتوسعة الإنفاق على الجيش قد يضع حزب المحافظين الحاكم في مواجهة قطاعات عامة أخرى تطالب بموازنات أكبر لأجور الموظفين وخطط التطوير.

ويكشف التقرير الذي أعدته لجنة الدفاع في البرلمان أخيراً، عن إشكالية أخرى تواجه زيادة التمويل لتطوير القوات البريطانية، وتتمثل بغموض بعض خطط وزارة الدفاع. فالغموض يُصعب على مجلس العموم محاسبة الوزارة على مراحل الإنفاق والإنجاز، وحيثما يصعب على المجلس المحاسبة يتعقد الحصول على الموافقات المطلوبة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبغض النظر عن الآلية التي يمكن أن تلجأ إليها الحكومة من أجل توسيع الإنفاق على الدفاع، فإن أولوياتها بالدرجة الأولى، تكمن في تطوير الصناعة العسكرية لتزويد جميع فرق الجيش بأحدث التقنيات وأفتك الأسلحة، إضافة إلى تعزيز الترسانة النووية، وبعدها يأتي البحث في إمكان تعزيز تعداد القوات وفق خيارين أحلاهما مر، كما يقال.

وكشفت وثيقة رسمية نشرتها مجلة الدفاع البريطانية، أن حكومة لندن ستطلب حاملة طائرات ثالثة لمواجهة التهديد الروسي. موضحة أن طول البارجة الجديدة سيبلغ 480 متراً، وستكون مهيأة لحمل 100 طائرة ومجهزة بأنظمة صاروخية حديثة. وبهذا تقارب قيمة برنامج تطوير القوات البحرية المتضمن 3 سفن جديدة، 188 مليار جنيه استرليني.

في مجال الطائرات أعلن رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك عن شراكة بين المملكة المتحدة وإيطاليا واليابان، لتطوير طائرة مقاتلة جديدة تستخدم الذكاء الاصطناعي، وتدخل الخدمة في ثلاثينيات القرن الجديد. أما في المسيرات فبدأت لندن أخيراً بتجربة نموذج حديث منها لأغراض التجسس، ولكن نتائجها لم تأتِ في المستوى المطلوب. 

أحد أعضاء البرلمان قال لصحيفة “التايمز”، إن اختبار طائرات Watchkeeper الجديدة بين أنها ضعيفة في الظروف الجوية السيئة، مما استدعى إجراء تعديلات على قطع وأنظمة كثيرة فيها. ولكن النائب الذي فضل عدم ذكر اسمه، شدد على أن أنواع المسيرات البريطانية الأخرى ذات جدوى عالية وأثبتت فعاليتها في الحرب الأوكرانية.

ثمة أسلحة جديدة طورتها بريطانيا أخيراً وأثبتت التجربة جدواها، مثل سلاح ليزر يستخدم لإسقاط الطائرات المسيرة. كما اقتنت المملكة المتحدة قاذفات جوية جديدة لضرب السفن الحربية والغواصات، واستثمرت في المدرعات المقاتلة من طراز “أجاكس”، ودبابات الجيل الرابع من طراز “تشالنجر 3″، وجيل جديد من مروحيات “أباتشي”.

تعزيز العامل البشري

وبينما تسابق بريطانيا الزمن لتطوير ترسانة أسلحتها الدفاعية والهجومية، استعداداً للحرب المتوقعة. تتعالى الأصوات المطالبة بزيادة عدد القوات العاملة بمختلف قطاعات الجيش بعد نحو عقد ونصف من التقليص. فقد كان تعداد القوات البرية أكثر من 100 ألف مقاتل عام 2010، ثم تراجع العدد بنسبة 28 في المئة إلى 73 ألفاً نهاية العام الماضي.

رئيس أركان الجيش باتريك ساندرز، يتوقع اللجوء إلى “النفير العام” إذا خاضت بريطانيا حرباً كبيرة في السنوات المقبلة. منوهاً إلى أن تدريب “جيش من المدنيين” قوامه 120 ألف مقاتل، هو الخيار الوحيد لتعويض نقص تعداد القوات المسلحة النظامية. أما الخيار الثاني فهو الاعتماد على القوة البشرية لدول حلف شمال الأطلسي مجتمعة.

تنتمي المملكة المتحدة لتحالف عسكري دفاعي يضم أكثر من 30 دولة بمجموع قوات يفوق عددها 3.5 مليون جندي. وبعد غزو روسيا لأوكرانيا، تبنى “الناتو” مفهوماً استراتيجياً جديداً لمواجهة أي أزمة يتعرض لها أحد أعضائه، فينشر لديه 100 ألف جندي في غضون عشرة أيام من الأزمة، ثم يضاعف العدد بين اليوم العاشر إلى الثلاثين، وبعدها يزيد الرقم ليصل إلى نصف مليون جندي. لكن المشكلة تكمن في مدى جاهزية هذه القوات من الناحية الفنية واللوجستية. وماذا يمكن أن يحدث إذا قررت الولايات المتحدة التباطؤ في دعم حلفائها بالجيش الأميركي الذي يقدر تعداده بـ 1.4 مليون مقاتل مدرب ومجهز للحرب؟

 

وعلى رغم المخاوف المحلية والخارجية من صغر حجم الجيش البريطاني، إلا أن الحكومة لم تعد حتى اليوم بزيادة العنصر البشري، وتعهدت فقط على لسان شابس بوقف التقليص. الأبواب مفتوحة للتطوع في قوات المملكة المتحدة وفق إعلانات وزارة الدفاع. ولكن تحديات مالية وتقنية واجتماعية تحد من إقبال الشباب ذكوراً وإناثاً، على هذا العمل.

قبل أيام نشرت صحيفة “التلغراف” تقريراً تقول فيه إن نحو 30 ألفاً من القوات البريطانية اليوم غير مؤهلين للقتال بسبب مشكلات صحية ونفسية. الصحيفة نفسها ذكرت قبل أشهر، أن استقطاب مزيد من الجنود لصفوف الجيش وبخاصة في القوات البحرية، يواجه 3 تحديات. أولها تعلم التقنيات الحديثة في بعض المجالات، ثم ضعف العائد المادي من العمل العسكري، وأخيراً ازدياد تعرض المتطوعات للمضايقة والتحرش الجنسي في العمل.

يحتل الجيش البريطاني المركز السادس في تصنيف القوات العسكرية عالمياً. وتأتي المملكة المتحدة بعد الولايات المتحدة وروسيا والصين والهند وكوريا الشمالية، على الترتيب. ووفق تعبير وزير الدفاع البريطاني “انتقل العالم اليوم من مرحلة ما بعد الحرب، إلى مرحلة ما قبل الحرب”، ولكن ما نوع الحرب المتوقعة من قبل الغرب عموماً؟

هذا التساؤل يثيره الخبير في الشؤون العسكرية بمعهد “تشاثام هاوس” البروفيسور أندريو دورمان. ويقول في مقالة نشرت على موقع المعهد نهاية يناير (كانون الثاني) 2024، إن الإجابة على هذا التساؤل تحدد الاستعداد اللازم للمواجهة من قبل جميع الدول التي يمكن أن تنخرط فيها. كما نوه إلى أن الكلفة الكبيرة جداً لتلك الحرب هي الرادع الوحيد لإشعالها حتى الآن، ولكن ذلك لن يستمر طويلاً، على حد تعبيره.