Home سياسة رونالد ريغان… “الكاوبوي” الأخير الذي أسقط البلاشفة

رونالد ريغان… “الكاوبوي” الأخير الذي أسقط البلاشفة

33
0

في السادس من شباط (فبراير) من عام 1911، ولد رونالد ويلسون ريغان، في شقة مستأجرة فوق مصرفي بلدة تامبيكو الصغيرة في ولاية إيلينوي، حيث كان والده جاك بائع أحذية متجولاً. وقد كان اسم ويلسون شهرة والدته نيلي قبل الزواج، أما اسم رونالد الذي تم اختياره في اللحظة الأخيرة كان بديلاً عن دونالد، لأنه كان الاسم الذي اختارته إحدى شقيقاته نيلي لابنها.

كره ريغان اسمه، وطلب أن يطلق عليه اسم “الهولندي”، في إشارة إلى مزحة ترددت في العائلة بحيث قال والده وهو ينظر إلى المولود الجديد “يبدو كرجل هولندي صغير وسمين، ولكن من يدري قد يكبر ويصبح رئيساً يوماً ما”.

هل كان والده يتنبأ بالمستقبل؟

المؤكد أن الصبي ريغان، لن يضحى رئيساً اعتيادياً، بل سيكون حجر الزاوية في إسقاط حكم البلاشفة، وانهيار الاتحاد السوفياتي، حرباً بطريقة غير مباشر، وسلماً بطرق متعددة.

هل كانت والدته هي سلم انطلاقه نحو الآفاق عبر التمثيل ومن ثم الإذاعة، وصولاً إلى الحياة العامة؟

غالب الظن أنها من لعبت الدور الأكبر في نجاحات ابنها، وصولاً إلى البيت الأبيض… كيف ذلك؟

ريغان الصغير ممثلاً بالفطرة

في سن التاسعة من عمره وبمساعدة من والدته التي كانت تمثل في المسرحيات وتتلو المقاطع الدرامية في كنيستها، أصبح هو أيضاً ممثلاً يستمتع بالإطراء. في وقت لاحق سوف يكتب ذكرياته عن تلك الفترة بقوله “لا أتذكر ما قلته، أو لا أستطيع أن أتذكر، عن أدائي الأول، ولكنني لن أنسى أبداً رد فعل الناس، ضحكوا وصفقوا”.

وجد ابن بائع الأحذية في إيلينوي الخجول الذي كان يعاني الخوف من الأماكن المغلقة، ما جعله في وقت لاحق يخاف الطيران، الحرية في تصفيق الجماهير. في الواقع يقول، كاتب سير الرؤساء، نايجل هاميلتون، إن كل ما كان يقوم به تقريباً في حياته من كرة القدم إلى عامل إنقاذ وثم السياسة نبع من عزمه الثابت على سماع كلمات الإطراء.

في عام 1928، حاز ريغان منحة دراسية للطلاب المحتاجين في مدرسة بوريكا الصغيرة في إيلينوي، وتجدر الإشارة إلى أنه كان يغسل الصحون ويعمل نادلاً بين الفصول المدرسية وعامل إنقاذ خلال العطل، ما مكنه من التخرج في علم الاقتصاد بتقدير لا بأس به.

ولأنه شغوف منذ صغره بالإذاعة، فقد حصل عن جدارة على وظيفة مذيع رياضي في شبكة WOC، وبراتب 75 دولاراً في الأسبوع.

تحول ريغان إلى أسطورة إيلينوي، بفضل مهارته كمذيع في الراديو، وخصوصاً قدرته على جعل لعبة كرة حية تؤثر في عقول الناس من وراء المذياع، ومن ثم وبعد أن قام بزيارة موقع فيلم لجين أوتري الذي كان يصور في استوديو “ريبابليك بيكتشور” في هوليوود، وقع في غرام عالم الأفلام.

بعد اختبار على الشاشة، تسلم ريغان برقية في نيسان (أبريل) 1937 تعلمه أن شركة “وارنر براذ” كانوا مستعدين ليقدموا له عقداً لمدة سبع سنوات مقابل مائتي دولار في الأسبوع، وقد أرسل ريغان برقية إلى وكيله يطلب إليه التوقيع قبل أن يغيروا رأيهم.

بحلول عام 1941، أي بعد أربع سنوات، كان ريغان يكسب 52 ألف دولار عن كل فيلم.

من عالم السينما والفن، كان العمل العام يناديه، فقد انضم إلى لجنة هوليوود الديمقراطية وبقي عضواً مخلصاً في الحزب، مع العلم أنه كان معجباً بالرئيس روزفلت خلال فترة الكساد، وأحسن استخدام المهارات التي طورها في تقديم أفلام تدريب القوة الجوية.

تطوع ريغان لاحقاً لإلقاء خطابات المنظمات الديمقراطية مثل لجنة المحاربين الأميركيين القدامى، ولجنة الثلاثة آلاف مواطن هوليوودي مستقل للفنون والعلوم والمهن التي تبنت برنامج مكافحة الأسلحة النووية.

بدا وكأن عالم السياسة يناديه، ففي عام 1946 طُلب إلى ريغان الترشح للكونغرس بصفته ديمقراطياً، ولكنه رفض، ليس لأنه لا يستطيع التخلي عن طموحات فيلمه فحسب، بل لأن الديمقراطيين في الساحل الشرقي انقسموا في ما بينهم بسبب الصراعات على السلطة والخوف من تسلل الشيوعية، بحيث شهد عنف العصابات الإجرامية في هوليوود بأم عينه.

الطريق إلى حاكمية ولاية كاليفورنيا

عاصر ريغان مسيرة مهمة وخطيرة من الصراعات بين اليساريين الأميركيين، وبين الليبراليين، فترة اشتدت فيها المخاوف من أن يحدث اختراق للفكر الشيوعي لصفوف المفكرين والفنانين الأميركيين، تلك التي عرفت بزمن المد المكارثي.

خلال تلك الفترة لمع نجم ريغان كخطيب مفوه في الولاية، ما جعل منه نجماً في عالم السياسة، ولم يكن من الوارد مقاومة إغراء السلطة ومقاعدها الوثيرة.

في شباط (فبراير) من عام 1965، وافق ريغان على المشاركة في الانتخابات لمقعد حاكم كاليفورنيا بصفته جمهورياً، كان ريغان قد بلغ الرابعة والخمسين، ولم يسبق له أن ترشح لمنصب عام، ولم يكن يعلم أو يفهم ما هو دور منصب حاكم كاليفورنيا وما هي موجباته. وعلى رغم أنه كان يدعم المرشحين الجمهوريين والديمقراطيين بخطاباته في الماضي، فقد كانت خطاباته معادية للشيوعية والفيدرالية، مع إشارة بسيطة إلى ما كان عليه وراء الوطنية والحرية والفردية وتخفيض الضرائب.

في تشرين الثاني (نوفمبر) 1966، هزم ريغان حاكم كاليفورنيا الديمقراطي، بات براون، بما يقارب مليون صوت، وأصر ريغان على إلقاء خطاب القسم بعد مرور دقيقتين من منتصف ليلة الثاني من شباط (فبراير) من عام 1967.

كانت فترة ولايته مثيرة ومليئة بالأحداث والتغييرات الجذرية في كاليفورنيا، فقد وضع الإشارة التالية على باب مكتبه: “التزم القوانين أو أخرج”.

اختار ريغان مسائل مهمة ستحدد مسار حكمه والطريقة التي سيتذكره بها الناس في الانتخابات المقبلة.

وقع قانون الإجهاض على رغم أنه لم يكن يحبذ القانون. ومع اغتيال مارتن لوثر كينغ في تينسي ومن ثم السيناتور روبرت كيندي في كاليفورنيا واندلاع ما بدا حرباً أهلية سياسية في عاصمة فرنسا (ثورة الطلاب 1968)، بقي ريغان هادئاً وصارماً ومتفائلاً بشكل مذهل.

كانت قدرته على اختيار مرؤوسين فاعلين تعود إلى فترة وجوده ضابطاً في وحدة الفيلم السينمائي التابعة لسلاح الجو، ولكن الأهم كان سلوكه الرائع الذي كان مصدر وحي لطاقمه، وكان مسؤولاً عن مئة وخمسة عشر ألف موظف في الولاية، خدموه بإخلاص، ومن دون تسريب معلومات.

كتب، كريغ شيرلي، كاتب سيرة حياته عن طريقة حكمه كرئيس قائلاً: “إنه رجل قليل الكلام في الاجتماعات وكان يعمل لساعات قليلة في الكابيتول، ومع ذلك كانت طريقة عمله فعالة بشكل رائع”. ويضيف شيرلي: “يمكنني مقارنته فقط بظاهرة المايسترو الذي يسبق الوقت بدقة وغالباً ما يفعل ذلك بعينين مغمضتين أمام مجموعة من العازفين قلة منهم ينظرون إليه من مكانهم، ومع ذلك نسمع موسيقى منسجمة”.

خطوة تلو الأخرى، ظهر ريغان وكأنه يهيئ نفسه لتولي منصب وطني لا بل دولي حقاً. فقد لوحظ على سبيل المثال أنه بدأ يحدد رجال الدولة الأكبر منه سناً الذين كان يلقاهم وكان يدرس كلاً منهم بحسب سلوكه ووقاره وعزمه وصفاته المميزة، وربما توقف طويلاً أمام ونستون تشرشل ودوره في الحياة السياسية الأوروبية والحرب العالمية الثانية بنوع خاص.

أعيد انتخابه لمنصب حاكم كاليفورنيا في عام 1970، وحاول الترشح عن الحزب الجمهوري لرئاسة الولايات المتحدة في انتخابات 1968 و1976، فلم ينجح، ولكنه بعد أربع سنوات، وتحديداً في 1980، حقق نصراً ساحقاً على رئيس البلاد الديمقراطي وقتها، جيمي كارتر، وأصبح وقتها أكبر الرؤساء الأميركيين المنتخبين سناً، قبل أن يحطم ترمب، ثم بايدن هذا السن.

رئاسة الوقت العصيب اقتصادياً وعسكرياً

حين وصل ريغان إلى البيت الأبيض، كانت البلاد تعاني من أزمة اقتصادية خانقة، ما بين ركود وتضخم، وزيادة بطالة وندرة وظائف.

في العشرين من كانون الثاني (يناير) 1981، وخلال خطاب التنصيب، أعلن ريغان: “في ظل الأزمة الراهنة، لا تشكل الحكومة الحل لمشكلتنا، بل هي المشكلة في ذاتها”.

فهم الأميركي من أصل إيرلندي، ابن بائع الأحذية من ديكسون في إيلينوي طبيعة رمزية القيادة واستبداديتها بطريقة لم يفهمها سلفه، جيمي كارتر، على رغم ذكائه وصدقه.

 سأل ريغان خلال خطابه الافتتاحي: “هل يمكننا حل المشكلات التي تعترضنا؟ في الحقيقة إن إجابتي هي نعم”… هكذا كان رده، وهنا اقتبس كلمات ونستون تشرشل: “لم آخذ القسم الذي أقسمته الآن بنية ترؤس حل الاقتصاد الأقوى في العالم”.

كان ريغان واثقاً بنفسه بشكل هائل، ففي حين بدا أن كارتر لا يعرف الكثير من الأشخاص، ويثق بعدد ضئيل من الناس، الأمر الذي اضطره إلى الاعتماد على الهواة من المجموعة التي عرفت باسم “عصابة جورجيا”، لمساعدته على إدارة أمور البيت الأبيض، جلب ريغان أشخاصاً ذوي خبرة من كاليفورنيا وضمهم إلى فريق عمل البيت الأبيض فضلاً عن بعض الأشخاص من مجموعته.

عين جيمس بيكر، مدير حملة بوش، في منصب رئيس القطاع السياسي ليعمل مع إد ميز ومايك ديفز، وقد أطلق عليهم لاحقاً اسم “السلطة الثلاثية المشتركة”، بحيث يعمل بيكر على الإشراف على السياسات والكونغرس، ويكون نائبه ديفز مسؤولاً عن المواعيد وصورة الرئيس، فيما كان ميز يراقب الأوضاع السياسية ويدير مجلس الأمن القومي.

بدا جلياً وفي وقت مبكر، أن ريغان لديه رؤية واستراتيجية لرئاسته، وأهداف بعيدة المدى، تتجاوز الداخل الأميركي، يسعى لتحقيقها، غير أن هذا كله كاد يذهب أدراج الرياح، في موعد قدري بين ريغان وشاب هوليوودي عاشق.

عن جون هينكلي والعشق القاتل

مساكين العشاق، يفعلون أي شيء، من أجل لفت انتباه من يعشقون، حتى لو بلغ الأمر حد الشروع في قتل الرئيس الأميركي، لولا رحمة القدير، الذي أنقذ ريغان.

 كان ذلك مساء الإثنين 30 مارس (آذار) 1981، أي أنه لم يكن قد مر على ريغان في موقع الرئاسة سوى نحو شهرين لا أكثر.

 وقت خروج الرئيس من فندق الهيلتون بالعاصمة الأميركية واشنطن، متوجهاً إلى سيارة الليموزين التي كانت تنتظره، قام جون هينكلي جونيور بإطلاق ست رصاصات من مسدس “روم آر جي -14”.

أصابت خمس رصاصات أفراداً من طاقم ريغان، فيما رصاصة واحدة فقط ارتدت من سطح زجاج السيارة الليموزين المقاوم للرصاص، واخترقت أسفل الذراع اليسرى لريغان لتستقر في رئته على بعد إنش واحد من القلب، في أمر يشبه الأعجوبة التي لا تتكرر.

ولعله من المثير أن هينكلي لم يحكم عليه بالإدانة بسبب جنونه، وأودع لاحقاً في مصحة للأمراض العقلية أقام فيها حتى خروجه منها في 10 سبتمبر (أيلول) 2016، أي أنه قضى نحو 35 عاماً من حياته في مصحة.

عانى جون هينكلي من الهوس الشبقي بالممثلة جودي فوستر، وقد كان مقتنعاً بأنه من الممكن أن يكون نظيراً لفوستر إذا أصبح شخصية وطنية.

كان القدر رحيماً، والمقادير تحتفظ لريغان بصولات وجولات، لا سيما على صعيد السياسة الخارجية للبلاد، فقد كانت الولايات المتحدة الأميركية، رأس حلف الناتو، تعيش أوقاتاً عصيبة من الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي، وبدا أن هدف ريغان الحقيقي، هو الخلاص من هذا الخطر المحدق بالغرب، الذي كان الأخطر منذ هزيمة النازية.

اليمين الأميركي وبداية حرب النجوم

ليس سراً القول إن رونالد ريغان، كان رقيق الحال فكرياً، فلم يكن مؤدلجاً، ولا دالة له على القراءة المعمقة المرهقة.

في هذا السياق، كان من الطبيعي جداً أن يجد أساطين اليمين المسيحي المتشدد إلى حد التطرف، ثغرات في عقله ينفذون منها، بهدف تحقيق مشروعه الأهم، وهو سحق الشيوعية عن بكرة أبيها.

كان جيري فالويل، وبات روبرتسون، وليندسي هال، وغيرهم كثيرون، من عمق التيارات المسيحانية البروتستانتية التي تؤمن بما يعرف بـ”الفكر التدبيري”، هذا الذي يقوم على حتمية نهاية العالم من خلال معركة بين الخير والشر.

كان من الطبيعي جداً اعتبار الولايات المتحدة قائدة عالم الخير، فيما الاتحاد السوفياتي هو الشر المطلق الذي يتوجب القضاء عليه.

كان الطريق ممهداً أمام هؤلاء لإقناع ريغان بأن معركة هرمجدون ستحدث في عهده، وأن على الولايات المتحدة يقع عبء تحديد أبعاد المعركة النهائية، ليس هذا فحسب بل الانتصار فيها.

تنبأ ريغان في خطاب تنصيبه بسقوط الاتحاد السوفياتي: “أعتقد أن الشيوعية هي فصل آخر حزين وغريب في تاريخ البشرية، يتم الآن كتابة الصفحات الأخيرة له”.

وعندما أراد التأكيد أنه يخوض حرباً أخلاقية في العالم حذر من “تصنيف الطرفين أنهما على خطأ… أن تصف سباق التسلح بأنه سوء تفاهم كبير وبالتالي أن تزيل نفسك من الصراع بين الصواب والخطأ والخير والشر”.

آمن ريغان بضرورة تعزيز قوة الولايات المتحدة في العالم، فأعلن استراتيجية جديدة تتمثل في زيادة الإنفاق العسكري لتحديث وتطوير القوات المسلحة، وكان برنامج الإنفاق العسكري الضخم حينها الأكبر في الولايات المتحدة أثناء السلم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عام 1983، قرر ريغان أمراً مثيراً، جديداً وخطيراً، وهو بناء شبكة صاروخية دفاعية، تحمي سماوات الولايات المتحدة الأميركية من الفضاء، وليس من الأرض، بحيث أن صواريخ السوفيات النووية، لا يمكنها بحال من الأحوال أن تمر من هذه الشبكة التي تعتمد بالدرجة الأولى على أشعة الليزر، وربما أسلحة أخرى.

عرف هذا البرنامج وقتها باسم “برنامج حرب الكواكب”، أو “حرب النجوم”، وقد كان طريقاً مؤكداً لسحق الاتحاد السوفياتي الذي حاول محاكاته، غير أنه عجز عن مضاهاته، فقد كان الأخير عملاقاً قدماه من فخار، بينما كانت أميركا عملاقاً قدماه من فولاذ.

سقط الاتحاد السوفياتي في مستنقع الإنفاق العسكري، ما دعا السوفيات لإعادة التفكير في سباق التسلح.

كان ميخائيل غورباتشوف، قد وصل إلى قمة السلطة في الاتحاد السوفياتي، وقد رفع شعار “البريسترويكا” و”الغلاسنوست”، أي المكاشفة والمصارحة وإعادة البناء.

فهم ريغان أن السوفيات يلفظون أنفاسهم الأخيرة، ولهذا شجع غورباتشوف على المضي قدماً في مشروعه لتصفية الاتحاد السوفياتي.

في نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، وفي جنيف، التقى ريغان وغورباتشوف، للمرة الأولى وناقشا خفض عدد الأسلحة النووية، وفي ديسمبر (كانون الأول) عام 1987 توصلا لاتفاق تاريخي وهو “معاهدة القوات النووية المتوسطة المدى”، التي نصت على تقليص الترسانتين النوويتين للبلدين.

في خطابه الشهير أمام جدار برلين يوم 12 يونيو (حزيران) 1987، ألقى ريغان كلمة تاريخية طالب فيها الاتحاد السوفياتي بهدم الجدار.

كانت بوابة براندنبورغ التاريخية على الجانب الألماني الشرقي، خلفية كلمة ريغان، عندما قال مخاطباً غورباتشوف: “هناك علامة واحدة يمكن للسوفيات أن يصنعوها ولا لبس فيها، والتي من شأنها أن تقدم بشكل كبير قضية الحرية والسلام”. وأضاف: “إذا كنت تسعى إلى التحرر، تعالى إلى هذه البوابة، سيد غورباتشوف، افتح هذه البوابة، سيد غورباتشوف، اهدم هذا الجدار”.

والثابت أنه لم يطل انتظار الرئيس ريغان، ففي أواخر عام 1989، انهار جدار برلين في خضم ثورات شعوب الكتلة السوفياتية، وغضب عارم في الجزء الشرقي من أن الجدار يحول بينهم وبين ألمانيا الغربية.

سقط جدار برلين بعد 10 أشهر فقط من انتهاء ولاية ريغان، وانهار الاتحاد السوفياتي بعد نحو ثلاث سنوات من مغادرة منصبه.

كان الإرث الحقيقي لهذا الكاوبوي القادم من الغرب الأميركي، هو نهاية الاتحاد السوفياتي.

غير أن المؤرخين يتساءلون هل كان ريغان ملائكياً أم أن هناك نقاط ضعف فضائحية شابت زمنه، لا سيما ولايته الأولى؟

“إيران كونترا” وصمة في ثوب ريغان

تكاد تكون هذه الفضيحة أسوأ ما جرت به المقادير في تاريخ إدارة ريغان، غير أن الحديث عنها لا يستقيم من غير الرجوع إلى الظروف التي سبقت رئاسة ريغان، وربما ساعدته في الوصول إلى البيت الأبيض.

مع ثورة الجمهورية الإسلامية ضد نظام شاه إيران، اقتحمت مجموعة من الطلاب الإيرانيين السفارة الأميركية في طهران، واحتجزوا 52 أميركياً من موظفي السفارة لمدة 444 يوماً من 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 1979 حتى 20 يناير (كانون الثاني) 1981.

لاحقاً كرر الإيرانيون عبر أذرعهم في لبنان حوادث اختطاف أميركيين، ولكي يتم الإفراج عنهم، عقدت إدارة ريغان اتفاقاً مع حكومة الملالي في طهران لتزويدها بالأسلحة بسبب حاجة الأخيرة إلى أنواع متطورة منها أثناء حربها ضد العراق، وذلك لقاء التأثير في الخاطفين وإطلاق سراح بعض الأميركيين الذين كانوا محتجزين هناك.

كان الاتفاق يقضي ببيع إيران نحو 3000 صاروخ “تاو” مضاد للدروع، وصواريخ “هوك” أرض جو مضادة للطائرات مقابل إخلاء سبيل خمسة من الأميركيين المحتجزين في لبنان.

عقد جورج بوش الأب عندما كان نائباً للرئيس ريغان في ذلك الوقت هذا الاتفاق عند اجتماعه مع رئيس الجمهورية الإيرانية أبو الحسن بني صدر في باريس، قبل أن ينقلب نظام الخميني عليه ويقضي بقية عمره هناك لاجئاً.

كان من الواضح أن الصفقة تجري من وراء الكونغرس، وبعيداً من أعين نواب الشعب الأميركي، فيما المثير أكثر أن عائداتها كانت تمول حركات التمرد في أميركا اللاتينية.

خلال ولاية ريغان الأولى، وربما الثانية، كانت أميركا تواجه تحديات دبلوماسية وعسكرية كبيرة في الشرق الأوسط وأميركا الوسطى.

كان ريغان ومدير الاستخبارات المركزية الأميركية وقتها، وليام كيسي، معروفين بخطاباتهما القوية المناوئة للاتحاد السوفياتي.

في هذه الأجواء كان فريق ريغان لا يتورع عن فعل أي شيء وكل شيء، لمنع وصول الشيوعية إلى أميركا اللاتينية، حتى ولو كان عبر الأموال السوداء أو القذرة كما تسمى، الناجمة عن صفقات أسلحة وغالباً مخدرات.

وصلت أموال الصفقة إلى متمردي الكونترا في هندوراس، الذين يشنون حرب عصابات للإطاحة بالحكومة الثورية للجبهة الساندينية للتحرير الوطني في نيكاراغوا.

كان هدف ريغان هو الإطاحة بحكومة الساندينستا اليسارية، مهما كلف الأمر.

لاحقاً سوف تتسرب أخبار الصفقة إلى وسائل الإعلام ومنها إلى الكونغرس، غير أن دوي مدافع السوفيات في أفغانستان، كانت تغطي على الفضيحة، وتفتح المجال لإكمال المواجهة الباردة إلى حين سقوط موسكو.

وفي الخلاصة، يمكن اعتبار حقبة ريغان أفضل الأوقات التي تجلت فيها قدرة الأميركيين على الاصطفاف ومواجهة الأعداء معاً، على عكس المشهد المتفسخ الحالي.

في أوائل شباط (فبراير) الماضي، تحدثت باتي ديفيس إبنة ريغان بلهجة يملؤها الأسى على أميركا الحالية التي تعيش حالة من الفوضى والعالقة في مستنقع الغضب، وتعيش ضمن حلقة مفرغة من العنف.

قالت باتي: “لو عاد والدي للحياة مرة أخرى لربما توجب عليه أن يرثي أميركا بصورتها الحالية، لا سيما أنه كان يعلم مدى هشاشة الديمقراطية ومدى سهولة تدميرها”.

هل أميركا اليوم في حاجة إلى ريغان جديد؟

يخشى المرء من أن التاريخ لا يكرر ذاته بحسب كارل ماركس، وإن فتح مارك توين الباب واسعاً أمام القول، نعم إنه لا يكرر ذاته، لكن أحداثه تتشابه.