Home سياسة كيف تتأرجح إسرائيل بين المفاوضات والتخطيط لعمل عسكري في رفح؟

كيف تتأرجح إسرائيل بين المفاوضات والتخطيط لعمل عسكري في رفح؟

11
0

تعمل إسرائيل في الوقت الراهن على المضي قدماً في مسارات عدة، أهمها العمل على الأرض وفق استراتيجية الأمر الواقع وفرضها على كل الأطراف المعنية، والاتجاه إلى تبني خيارات رئيسة في هذا المستوى من الأعمال العسكرية بقرارات انفرادية ومن خلال مقاربة عسكرية واستراتيجية وأمنية معاً، والاستمرار في المفاوضات وشراء الوقت لتنفيذ ما قد يجري التوافق في شأنه.

وهذا الاتجاه يقرّ باستراتيجية مرحلية تقوم على المضي في إجراءات موجهة إلى الجمهور الإسرائيلي، وتأكيد أنها تعمل على الإفراج عن المحتجزين مع رهاناتها الكبرى على إنهاء حكم حركة “حماس” بالقوة، وعدم تقبل أي دور للحركة في المدى المتوسط، أو حتى ضمن المكونات الفلسطينية التي سيتعامل معها، مما يفسر التحرك الإسرائيلي الحالي لفرض استراتيجية الأمر الواقع واستبدال حكم “حماس” بحكم رمزي لبعض العشائر والشخصيات الفلسطينية شبه المستقلة، مما سيعني في مجمله التركيز على البديل.

خيارات تفاوضية

وفقاً لما يجري فإن الحكومة الإسرائيلية ستمضي وفقاً لخيار التهدئة وشراء الوقت للتوصل إلى حال الهدنة الموقتة بصرف النظر عن توقيتها، أو إطارها الزمني المحدد، مما قد يؤكد أن تل أبيب تمارس تكتيكاً في إطار العمل على الإفراج عن بعض المحتجزين أولاً، والانتقال تدريجاً إلى التهدئة المرحلية مع عدم السماح لـ”حماس” بإعادة تجميع قواتها، أو العودة لتمركز عناصرها في مناطق استراتيجية.

من ثم، فإن الهدف الرئيس للحكومة الإسرائيلية في ظل هذا الخيار التماهي مع مطلب التفاوض بناء على ما يجري مع المراوغة في التعامل الجاد، أو التسليم ببعض مطالب الحركة لتمرير الوقت الراهن والخروج من حال الأعياد، ومنها إلى التنفيذ الكامل للعملية العسكرية في القطاع، وليس فقط في رفح.

وعليه، فإن الرسالة في التعامل مع هذا الخيار العمل التدريجي والمرحلي، وتنفيذ ما يجري الاتفاق عليه مع شراء عنصر الوقت وممارسة أكبر قدر من الضغوط على “حماس” التي قدمت تنازلات حقيقية للتوصل إلى وقف إطلاق النار بالكامل ورفع حال الحصار، وهو أمر لن يحدث في ظل رهانات خاسرة للحركة، وقد تقبل إسرائيل ذلك في توقيت لاحق وتحت ضغط دولي ودعم خارجي من المجتمع الدولي، وهو تصور قاصر وغير صحيح ولن يتم بمعنى أن تترك إسرائيل القطاع وتحصل على كامل محتجزيها وتبدأ الإجراءات والتدابير الأمنية.

تصوّر إسرائيل الراهن يقوم على استمرار حال الاحتلال المقيم في القطاع وتقطيع أوصاله، وفرض استراتيجية أمر واقع جديد على جغرافيا القطاع، مع العمل في عمق القطاع وحرية الدخول والخروج في الوقت المناسب، وعندما يتطلب الأمر ذلك على غرار مناطق “ج” في الضفة الغربية، إضافة إلى أن إسرائيل تتجه إلى اتباع استراتيجية حرق الأرض وإنهاء وجود “حماس” وفصائل المقاومة الفلسطينية، بخاصة غير المنضبطة التي كانت تراهن عليها حركة “حماس” بالفعل، وترى أن وجودها كجيوب معارضة لن يتماشى مع الواقع السياسي والأمني الجديد لإسرائيل في القطاع، مما قد يدفع هذه الأخيرة إلى تبني استراتيجية إعادة بناء المستوطنات في عمق القطاع وشطره بصورة كبيرة وتدشين استراتيجية جديدة في القطاع بين شرقه وغربه، مع القبول بإجراءات مباشرة تحت إشراف إسرائيلي – أميركي، وربما أوروبي في مراحل لاحقة، مما يفسّر بالقبول الإسرائيلي بفكرتي منفذ بحري، ولاحقاً جوي في اتجاه قبرص أو قطر بهدف التعامل مع كل التطورات الجارية لا رفع حال الحصار على القطاع، وتركه في توقيت لاحق على طريقة الجنرال شارون.

وهذا الاتجاه يتطلب الاستمرار في طرح استراتيجية التعامل مع الأطراف الوسيطة من دون التسليم بوجود حل حاسم، واللعب على الخيارات المتأرجحة تجاه العمل السياسي التفاوضي لإقناع الجمهور الداخلي وأسر العائلات بأن تل أبيب ماضية في مسار التفاوض للوصول إلى كل المحتجزين وعدم تركهم في أيدي حركة “حماس” لتناور بهم، مع تأكيد أن مبدأ إسرائيل بأكملها ومستقبلها ومسارها في مواجهة مجموعة أفراد، مما يفسّر الخطاب السياسي والإعلامي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومخططه في التفاوض والتعامل مع ما يجري، ويؤكد أن إسرائيل لها حساباتها السياسية والأمنية التي تريد الحفاظ عليها في مواجهة أي تطور دراماتيكي.

خيارات أمنية

في مقابل ما يجري من مسار تفاوضي لا يخلو من مناورات سياسية وأمنية، اتجهت إسرائيل إلى المضي قدماً في مسار عسكري، إذ أمرت سكان القطاع بمغادرة أربع بلدات جنوب قطاع غزة، مما زاد المخاوف من توسع نطاق حربها على “حماس” لمناطق سبق أن طالبت سكان القطاع بالاتجاه إليها، إذ حثت منشورات أسقطتها طائرة إسرائيلية سكان القطاع المدنيين على مغادرة خزاعة وعبسان وبني سهيلا والقرارة على المشارف الشرقية لمدينة خان يونس في جنوب القطاع، وتلك البلدات يسكنها إجمالاً أكثر من مئة ألف نسمة وقت السلم، لكنها تضم حالياً أعداداً إضافية تقدر بعشرات الآلاف ممن فروا من مناطق أخرى، مما سيمثل خطراً مستمراً على طول مناطق الحدود مع مصر.

وبدأت إسرائيل تنفيذ مخططها في زحزحة الفلسطينيين كي يتجهوا إلى مصر، كما أخلت النصف الشمالي بأكمله من قطاع غزة قبل أن تدخله قوات برية مع اتجاه سكان شمال القطاع إلى الجنوب، وتنفيذ الجيش عمليات منوعة على مدن جنوب القطاع، حيث خان يونس ورفح الفلسطينية، في ما يبدو أنها عمليات تمهّد لتوسيع نطاق الحرب لتصل إلى مدن الجنوب، أما في شرق غزة فتدور مواجهات مستمرة ودورية في حي الشجاعية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في هذ السياق، أعلن الجيش الإسرائيلي أن “لواء غولاني” يواصل عملياته في مدن عدة واقعة شرق مدينة غزة ووسطها، وأن هذا الهجوم يشكل خطوة متقدمة في الجهود الرامية إلى إفشال قدرات حركة “حماس” على رغم أن القتال في الشجاعية معقد جداً بسبب البنية التحتية، فيما ينظر إلى المنطقة التي توغل فيها الجيش الإسرائيلي جنوب القطاع باهتمام باعتبارها كانت جزءاً من اتفاق كامب ديفيد ولأنها منطقة عازلة قبل أن تخضع لسيطرة الفلسطينيين بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، ويصل طولها إلى 14 كيلومتراً تقريباً، وتصل من معبر كرم أبو سالم إلى البحر المتوسط بطول 14 كيلومتراً تقريباً، وذلك مع قيام الجيش الإسرائيلي بتنفيذ هجوم هو الأكبر من نوعه منذ بداية الحرب على منازل الخط الأول في مدينة رفح، قرب الشريط الحدودي مع مصر، خوفاً من استغلال “حماس” الأنفاق في المنطقة لتهريب الأسلحة والأسرى وقيادات الحركة خارج القطاع، في إشارة إلى إدخالهم للجانب المصري.

وفي السياق نفسه، تخطط إسرائيل لبناء منطقة عازلة بحدود ما بين اثنين إلى ثلاثة كيلومترات حول قطاع غزة، وهذه الفكرة ليست مقبولة سواء مصرياً أو عربياً أو حتى أميركياً، ولن يتم السماح بتنفيذها لأن الهدف الإسرائيلي منها مرتبط بعزل قطاع غزة بصورة كاملة عن محيطه مع استمرار تأكيد الجانب الإسرائيلي أن هذه الأنفاق مخصصة لتهريب الأسلحة وأن هناك تخوفاً لدى الأجهزة الأمنية من أن “حماس” ستستخدمها لتهريب أسرى أو قيادات في الحركة.

ومن المخطط أن يجري تنفيذ هجوم ضد قيادات حركة “حماس” الذين يديرون أنفاق التهريب أسفل “محور فيلادلفيا” المؤدي إلى رفح المصرية مع قيام الجيش الإسرائيلي بتنفيذ هجوم على منازل الخط الأول في مدينة رفح، قرب الشريط الحدودي مع مصر، ومعلوم أن الجيش الإسرائيلي أبرز خريطة لمناطق الإخلاء “البلوكات”، وهي تقسيم لأرض القطاع إلى مناطق بالأرقام.

وتظهر أرقام مناطق “البلوكات” شمال القطاع وجنوبه، مع تكثيف هذا الضغط الإسرائيلي مؤشرات إلى مخططات تل أبيب، أهمها حسم المنطقة الوسطى وخان يونس، مع العمل على ضم أكبر كم ممكن من الأراضي في غزة، وجعلها منطقة عازلة تكون ضمن الحدود الإسرائيلية، من ثم لن تسمح للنازحين بالعودة لمنازلهم مرة أخرى بعد انتهاء الحرب.

الخلاصات الأخيرة

ستستمر إسرائيل في العمل على الخيارين السياسي والعسكري، وإن كان يلاحظ أن العمل العسكري يستبق أي عمل سياسي، أو التقبل لفكرة الحل السياسي على مراحل لحين تمرير شهر رمضان والأعياد، وبدأ الجيش الاستعدادات لشن عملية برية في رفح، في حال انهارت مفاوضات إطلاق سراح الرهائن في غزة، واتخذ خطوات فعلية منها عزل المدينة وإجلاء المدنيين ووضع خطة للتعامل مع الأنفاق ومهاجمة غرف القيادة والمنازل التي يتحصّن بها قادة “حماس” وتصفية عناصر الحركة، وأمر نتنياهو بشراء 40 ألف خيمة من الصين لاستخدامها في إنشاء مخيم للنازحين في أماكن محددة في قطاع غزة، تمهيداً للاجتياح البري.

وتأتي هذه الاستعدادات تزامناً مع تنسيق وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت للعملية العسكرية في رفح، وعلى اعتبار أن إسرائيل، وفقاً لروايتها الرسمية، ليس أمامها خيار سوى الانتقال إلى رفح لأن وجودها ذاته على المحك، فيمكن للمدنيين الذهاب إلى شمال غزة خلال عملية رفح وأن هناك أماكن كثيرة يمكن الذهاب إليها مع تعهد إسرائيل الشكلي بضمان توفير الماء والغذاء والدواء للمدنيين الذين سينتقلون من رفح.