Home سياسة نتنياهو.. لماذا يُعلنها حربًا على قناة الجزيرة؟ | سياسة

نتنياهو.. لماذا يُعلنها حربًا على قناة الجزيرة؟ | سياسة

7
0

ما إن استفاق رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، من أثر “المخدِّر” المحقون به، بسبب خضوعه لجراحة، وعلمَ بمصادقة الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، أمس الأول (الإثنين)، على قانون يمنحه صلاحية حظر وسائل الإعلام الأجنبية، التي يراها تضُرّ بأمن الكيان، حتى استدار مُستهدفًا “قناة الجزيرة” برماحه، وسهامه الطائشة.

سارع، بكل صلافة وغطرسة، وحماقة.. ليصرّح على منصة “X”؛ بأن: “قناة الجزيرة لن تبثّ من إسرائيل بعد اليوم.. أنوي التحرُّك فورًا لوقف نشاطها”. في هجومه هذا على الجزيرة يهرب “نتنياهو” من فشله، وهزائمه وانكساراته داخليًا وخارجيًا، محاولًا استعادة توازنه الذي اختلّ في رمال غزة، على مدار ستة أشهر من الحرب، دون تحقيق إنجاز عسكري، أو سياسي، يُذكر.

إسكات الجزيرة

رئيس حكومة أو عصابة الاحتلال- لا فرق-، زعم كذبًا، وتضليلًا؛ أن الجزيرة، ألحقت الضرر بأمن إسرائيل، وشاركت فعليًا في “طوفان الأقصى”، وحرّضت على جنوده، وأنه حان الوقت لطردها.. فيما وصفت الجزيرة، هذه التصريحات بأنها: “كذبة خطيرة، ومثيرة للسخرية”.

لا يختلف نتنياهو في استهداف “إسكات الجزيرة”، عن عتاة المجرمين، من القتلة واللصوص، وعصاباتهم؛ في سعيهم الدؤوب لتصفية وقتل شهود جرائمهم، إسكاتًا لهم إلى الأبد، حتى لا ينطقوا بما شاهدوه، وعايشوه، من فصول الجريمة، ومن ثم تموت الحقيقة. فـ “الجزيرة”، هي الشاهد الحي الذي ينقل جرائم الاحتلال موثّقة، ويُحقق الأخبار من مصادرها سواء في غزة أو إسرائيل.

 لهْو فارغ

“منع بثّ الجزيرة” من الأراضي المحتلة، هو قرار غبي، لا جدوى منه ولا فاعلية، فهو قرار مُستدعى من عصور سابقة، كان للمنع فيها مفعول. هو عبث ولهو فارغ غير ذي معنى، أو جدوى. فالبشرية تعيش عصر السماوات المفتوحة، وشيوع وسائل التواصل الاجتماعي “العابرة للحدود، والقارات”، المتجاوزة للحظر، والمنع، والحجب.. بما أتاح لكل فرد منصة خاصة، ينشر من خلالها، ما يشاء من أخبار وآراء وتعليقات، دون عوائق. فمن يُردْ مشاهدة الجزيرة، فسيشاهدها، حتمًا.. سواء في الأراضي المحتلة أو غيرها.. رغمًا عن نتنياهو، وحكومته، وجيشه الفاشل.

مدرسة الموضوعية

منذ عشرينيات القرن الماضي، تنازعت الصحافةَ مدرستان في تغطية الحروب.. أولاهما، تناوُل الصحفيين وقائعَ الحرب بـ “موضوعية”، وتعني باختصار، أن تكون آراء الصحفي وأحكامه متحررة من الهوى والرغبة والغرض، فالموضوعية لصيقة بالأحكام والآراء. من المُحال- عمليًا- توفر الموضوعية بهذا المعنى، في شتّى مناحي الحياة، ومنها “العسكرية”، فهي تتأثر حتمًا بمواقف الفرد (أو الصحفي)، وأفكاره، والقيم التي يعتنقها.. لذا، فالطبيعي هو تناقض الآراء، والتقييمات حول ذات الوقائع. “الموضوعية”، إذن، تراها المدرسة الثانية، فكرة، تكاد تكون خيالية، فالصحفي (في المدرسة الأولى) يهتمّ بالأسئلة من نوعية: مَن هو المُنفذ لفعل ما، ومتى، ولماذا؟. بينما الصحفي في المدرسة الثانية، يهتمّ بالسؤال: لماذا حدث هذا الفعل؟.

التحيز الصادق

الخبراء والباحثون انتهوا منذ زمن بعيد إلى أن المدرسة الأولى تهيمن عليها “نزاهة مزعومة”. أما الثانية، فهي تتبنّى نهج “التحيّز الصادق”، وهذا لا يقلّل من شأن الموضوعية، ولا يُغني عنها. “قناة الجزيرة”، اختارت التحيّز الصادق، في تغطيتها للحرب على غزة.. كما في كل الحروب.. كونها لا تخون جمهورها، وواجبها التنويري، المُلقى على عاتقها. لذا، فلا يمكن لها أن تكون- كما يريد نتنياهو، وعصابته-، بوقًا للكيان، شأن الكثير من القنوات الأميركية والأوروبية التي سقطت مهنيًا في هذه الحرب؛ ترويجًا للدعاية والأكاذيب الإسرائيلية.

الشرعية الدولية والوظيفة الإعلامية

إسرائيل “دولة احتلال”، طبقًا للقانون الدولي.. ومن ثم، فمقولة: “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” التي يروّجها الاحتلال، هي أكذوبة وضلالة يشرعن بها الكيان جرائمه اليومية بحق الشعب الفلسطيني، إبادةً جماعيةً، وقتلًا، وتدميرًا، وتهجيرًا، واعتقالًا، وسرقةً لأراضيه.

وفقًا للقانون الدولي، مرة أخرى، فإن مقاومة الاحتلال حقّ مشروع، فما تمارسه المقاومة الفلسطينية من رد فعل على “الاحتلال”، وجرائمه، هو حق تكفله الشرائع الدولية والوطنية، والأديان. من هنا، فـ “الجزيرة”، تعاطت بأعلى درجات المهنية، وَفقًا للشرعية الدوليّة، واعتبارات المصداقية. وإن كان من تحيز، فهو “التحيّز الصادق”، الذي يفرضه عليها الواجب المهني والأخلاقي، والوظيفة الإعلامية.

الرأي والرأي الآخر

هنا، لابدّ من التذكير، بالشعار الذي ترفعه، وتمارسه فعليًا، الجزيرة، بما أكسبها مصداقية فائقة.. مُتصدرًا شاشاتها طوال الوقت، وهو “الرأي، والرأي الآخر”. آية ذلك أنها تبثّ ما يعلنه الإعلام العسكري للمقاومة، مقابل نقل المؤتمرات الصحفية للمتحدث باسم جيش الاحتلال.

كما أنها تذيع في نشراتها وتحليلاتها تصريحات قادة الاحتلال، والساسة الفلسطينيين، وحكومة غزة، وتُحقق الأخبار من مصادرها في طرفَي الحرب. مثلما، تستضيف عسكريين مُحنّكين، أمثال: اللواء فايز الدويري، والعميد إلياس حنا، وخبراء في السياسة من كافة الاتجاهات، بمن فيهم أميركيين داعمون للاحتلال.. رغم أن هذا يجعلها هدفًا للنقد من بعض الجمهور العربي المُحبّ لها.

كما تبثُّ “الجزيرة”، مباشرة من ميادين القتال، وتنقل المجازر التي يقترفها جيش الاحتلال، والدمار الذي يخلفه. “الجزيرة”، في هذه الحالة لا تخترع ولا تفبرك مقاطع الفيديو. وهذا هو الذي يقضّ مضاجع نتنياهو.. الذي اعتاد أن تلقى رواية دولته “تحيزًا كاذبًا”، من الإعلام الغربي كله- إلا نادرًا- ترويجًا لأكاذيب الاحتلال، الذي يقتل المدنيين، ثم يزعم أنّهم “مُخرّبون”.

الحقيقة ورابح الحرب

ختامًا؛ للسيناتور الأميركي هيرمان جونسون، مقولة أطلقها عقب الحرب العالمية الأولى (1914- 1918م): إن “الحقيقة هي أول ضحايا الحرب”؛ بمعنى اغتيال الحقيقة في النزاعات والحروب، تحت نيران القصف، وأصوات المدافع. كما أن أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد جوزيف ناي (78 سنة)، يرى أن “من يربح الحرب هو من تربح قصته في الإعلام”.

استطاعت “الجزيرة”، تسجيل جانب كبير من الحقيقة في حرب غزة.. كما في حربَي العراق، وأفغانستان، وغيرهما. لم يربح الاحتلال الحرب (حتى الآن).. قصته خسرت إعلاميًا.. بينما كسبت “الرواية الفلسطينية”، التي لعبت “قناة الجزيرة” الدور الأكبر في نقلها، بالتوثيق، والتحليل، والخبر، والرأي الآخر. هذا، ما أصاب نتنياهو بالهذيان، ودفعه إلى حربه الشعواء التي يشنّها على “الجزيرة”.. لكنها حرب خاسرة لنتنياهو، بالتأكيد، فالصحافة المهنية، الحرّة، تنتصر دائمًا.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.