Home سياسة طائر الفينيق الأحوازي ينهض في رمضان

طائر الفينيق الأحوازي ينهض في رمضان

11
0

عقب مرور نحو ثلاثة أعوام على انتفاضة العطش في 2021  التي انطلقت من مدينة الخفاجية وعمت معظم قرى ومدن مملكة عربستان السابقة، وبعد مشاركة خجولة من الشعب العربي الأحوازي في انتفاضة جينا أميني التي شملت معظم مناطق إيران في 2022، نشاهد للمرة الأولى جماهير هذا الشعب تستغل مناسبة “قرقيعان” الرمضانية وتعبر عما يدور في خلدها.
نبش الشعب الأحوازي قبل أعوام في حافظته التاريخية وفي تقاليده الدينية والوطنية، وانتقى هذه المناسبة وطورها لتكون ميزة أخرى تميزه عن سائر الشعوب في إيران وتربطه بالشعوب العربية المجاورة التي يحتفل أطفالها لمناسبة “قرقيعان”.

لكن لهذه المناسبة في الأحواز وظائف عدة تتجاوز ما نشهده في الدول العربية منها تعميم البهجة والفرح ليس بين الأطفال والمراهقين فحسب، بل بين النساء والرجال الرازحين في سجن كبير يوصف بإيران، البلد المتزمت دينياً والممتلئ بمناسبات عزاء عدة والفاقد لمناسبات الفرح حيث تمنع رسمياً الموسيقى الطربية والرقص، خصوصاً صوت المرأة وطربها خلافاً لكل الدول العربية ومعظم الدول الإسلامية، ما عدا أفغانستان.

 والوظيفة الأخرى هي وظيفة سياسية، إذ احتفل أطفال وشباب ونساء الشعب الأحوازي الثلاثاء الماضي لمناسبة “قرقيعان في مدن تستر والسوس والأحواز ورامز ومعشور والمحمرة ومدن وبلدات أخرى، بل شاهدنا احتفال “قرقيعان” أيضاً في المناطق العربية في الساحل الشرقي للخليج.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 ونظمت جهات فردية أو مجموعات ثقافية غير حكومية مناسبة “قرقيعان” تخللتها لوحات فنية وأمسيات شعرية عربية قلما تتاح الفرصة لعرضها بسبب سياسات النظام القمعية ضد الثقافة العربية.
 

الجماهير الأحوازية تحبط محاولات النظام مصادرة “قرقيعان”

الاستثناء شبه الوحيد كان في الأحواز العاصمة، إذ أعلنت جهة حكومية إقامة احتفال القرقيعان في المعرض الدولي لمدينة الأحواز، وتخللت الاحتفال علاوة على الموسيقى والرقص الرجولي الشعبي، نداءات متكررة لدعم غزة وكأن المناسبة مخصصة لهذا الغرض من دون أن تطرح المطالب الاجتماعية والثقافية الملحة للشعب الأحوازي.

 لقد أدرك الشعب الأحوازي بوعيه المتوهج لعبة النظام الإيراني في معرض “سيد خلف” لإفراغ هذه المناسبة من محتواها الوطني والنضالي والشعبي وتحويلها إلى احتفال حكومي.
 فعلى رغم تعاطف معظم أطياف شعبنا مع الشعب الفلسطيني، لكنهم اعتبروا ذلك خديعة من قبل النظام الإيراني لأنه استغل دوماً موضوع غزة وقضية فلسطين لقمع طموحات الشعب العربي الأحوازي وسائر الشعوب في إيران.

 وفيما خصص عريف الحفل معظم وقت الاحتفال للتضامن مع غزة ولأغراض حكومية إيرانية صرفة، كان في الضفة الأخرى لنهر كارون وعلى بعد بضعة كيلومترات من مكان احتفال “سيد خلف”، نحو 17 سجيناً أحوازياً يعانون أمراضاً مختلفة وهم يصارعون الموت بسبب امتناع مسؤولي سجن شيبان من نقلهم إلى المستشفيات خارج السجن. وليل الثلاثاء الماضي أقامت الجماهير الأحوازية في حي الزوية بمدينة الأحواز احتفال قرقيعان وقاطعوا احتفال “سيد خلف” الحكومي.

 وأقام الأطفال والنساء والشباب في مدن رامز وتستر والسوس والمحمرة احتفال “قرقيعان”، بعيداً من التدخلات الحكومية. أنا متأكد أن الشعب الأحوازي الذي خلق مبادرة “قرقيعان” الثقافية وطوّرها كمناسبة وطنية أحوازية سيخلق في المستقبل مبادرات اجتماعية وسياسية تبهرنا وتبهر الشعوب في إيران والمنطقة.

هتافات الخالدية: معناها وألغازها

وكانت أهم حركة قام بها الشباب الأحوازي، تلك التظاهرة التي انطلقت من احتفال “قرقيعان” في معرض “سيد خلف”، وبعد مرورها من دوار المنطقة سارت في الشارع الرئيس لحي الخالدية (واسمها الاستعماري كيان بارس)، وخرجت التظاهرة أولاً احتجاجاً على الاحتفال الحكومي الآنف الذكر، وثانياً كتظاهرة وطنية طرح خلالها هتافان رئيسان ذوا دلالات قومية ووطنية.

فالمعروف عن الخالدية أنها حي راقٍ يضم أثرياء المدينة وأن معظم أصحاب محالّها ومطاعمها من غير العرب المهاجرين، لذا كانت التظاهرة شبه مفاجأة لهذا الحي وكانت الأولى بعد تظاهرات ثورة الكرامة الثانية في 2018 تقام هناك، خلافاً لأحياء الثورة والملاشية وكوت عبدالله المعروفة بالاحتجاجات المناوئة المستمرة للحكومة الإيرانية.

وتراوحت أعمار معظم المتظاهرين الذين وصل عددهم إلى نحو 500 شخص ما بين 15 و25 سنة ورددوا هتافي “عيدك مبارك يحوازي” و”بالروح بالدم نفديك يا أحواز”، مرتدين الدشداشة والكوفية وملوحين بالكوفية الحمراء كعلمهم المتاح.

وبذلك أعلنوا لأصحاب المحال وسكان هذا الحي الراقي أنه حي عربي والأحواز مدينة عربية مهما طال الزمن، وأنه ليس “كيان بارس” الذي سماه النظام الملكي السابق، بعدما منح كثيراً من أراضيه للفرس الزرادشت الذين جاء بهم من مدينة يزد وسط إيران، بل إنه الخالدية.

وبارك المتظاهرون في هتافهم عيد الفطر، العيد الوطني والديني للأحوازيين، المتوقع حلوله بعد أسبوعين وليس عيد نوروز الذي احتفل به الإيرانيون قبل ثلاثة أيام من وقوع التظاهرات، ولهتاف “بالروح بالدم نفديك يا أحواز” الاستراتيجي معنى غليظ ينم عن خشية السكان العرب الأصليين من مد التفريس الهائل الذي يهدد وجودهم وكيانهم، وللهتاف أيضاً بعد سياسي يتمثل في ضرورة إعادة مملكة الأحواز التي كانت تسمى عربستان قبل مئة عام إلى أهلها وانعتاقها من الاستعمار، ومعنى قانوني يعني العودة للحيثيات القانونية والسياسية التي كانت تتمتع بها المملكة آنذاك.

وكذلك يفسره بعضهم برغبة الشعب الأحوازي في التحرر والاستقلال، فهذا لا يعني أن الساحة الأحوازية في الداخل فارغة من الاتجاهات الأخرى كالفيدرالية والاندماجية، لكن لم يتمكن، على سبيل المثال، أصحاب الاتجاهات الفيدرالية – وأنا منهم – من ترويج هتافاتهم وشعاراتهم لتعم بين الناس كي يرددها المتظاهرون في احتجاجاتهم وتحركاتهم.

 وفشلت محاولات سابقة قام بها مؤيدو الفيدرالية في ترويج وترسيخ هتافات مثل “سلطة، سلطة وطنية”، و”حرية، عدالة، سلطة وطنية” لم يستسغها الجمهور الأحوازي الذي يجازف بين الحين والآخر وينظم تظاهرات في مناسبات مختلفة وفي مدن مختلفة من عربستان. وعلى عكس عربستان، أصبحت هذه الهتافات الفيدرالية شعاراً استراتيجياً للجماهير التركية في إقليم أذربيجان الإيرانية.

وهنا يظهر التباين ليس بين ما يريده الأتراك الأذريون وما يطالب به العرب الأحوازيون، وهما شعبان يتشابهان في كفاحهما، بل بين إمكان تطبيق شعار “بالروح بالدم نفديك يا أحواز” بمعناه الاستقلالي وبين الواقع الداخلي الإيراني والإقليمي والدولي الذي يحول، وحتى إشعار آخر، دون تحقق استقلال عربستان أو الأحواز وهنا تكمن المشكلة في حل اللغز بين ما تريده معظم الجماهير الأحوازية والسياسة المتاحة والتحرك السياسي على المستويين الإيراني والدولي.
لذا يجب أن يبحث أصحاب الرأي الأحوازي عن طرق لردم الهوة بين ما يصدح في شوارع الأحواز والواقع الممكن. كما يعود التباين بين الشعارات الاستراتيجية بين أذربيجان والأحواز لتاريخهم المختلف فقبل مئة عام كانت عربستان مملكة شبه مستقلة، فيما كانت مملكة أذربيجان مندمجة ومشاركة مع طهران في حكم بلاد فارس.

وتؤكد تظاهرة الثلاثاء الماضي في الخالدية استمرار الفجوة بين الشعار الرئيس لاحتجاجات وتظاهرات عام 2022 في إيران والمعروفة بانتفاضة جينا أميني وأعني شعار “المرأة، الحياة، الحرية”، وبين الشعار الرئيس للشارع الأحوازي، “بالروح بالدم نفديك يا أحواز”، ونحن نعرف أن هذا الشارع لم يشارك بكل ثقله في تلك الانتفاضة بسبب تعاظم الخطاب الإعلامي القومي والملكي الفارسيين وبعض القضايا الأخرى.

وتؤكد تظاهرات الخالدية كذلك أن الشباب والمراهقين الأحوازيين الذين لم يشاهد معظمهم الانتفاضات السابقة ولم يدخل معظمهم السجون، خلافاً للأجيال الأحوازية السابقة، يواصلون النهج نفسه الذي سار عليه الجيلان السابقان وأن محاولات الأجهزة الأمنية القمعية في الأحواز، للقضاء التام على الحراك الوطني فيها، باءت بالفشل. وأنا أتذكر أن رئيس الإدارة العامة للاستخبارات (الاطلاعات) في الأحواز وبعد انتفاضة نيسان 2005 أعلن “إننا وباعتقال 500 ناشط أحوازي سنقضي على الحراك بأكمله”، لكن على رغم توقيف مئات النشطاء الأحوازيين خلال العقدين الماضيين وإعدام العشرات منهم، لا تزال الحركة الوطنية حية على رغم الضربات الهائلة التي تلقتها، وكثرة أبطالها المعتقلين وعلى رأسهم المهندس محمد علي العموري الذي يرزح في سجن الأحواز المركزي منذ 15 عاماً وقبلها ثلاث سنوات في سجن البصرة.وأثارت التظاهرات في الخالدية غضب مجموعة فارسية معادية للعرب في الأحواز تصف نفسها بـ”خوزستان [عربستان] هي جزء من جسم إيران” التي تحاول استفزاز السلطات الإيرانية لتضرب بيد من حديد أي احتجاجات وتظاهرات أحوازية تطالب بإعادة هويتها وحقوقها الوطنية.