Home News انقلاب ينهي نصف قرن من حكم أسرة أونديمبا في الغابون

انقلاب ينهي نصف قرن من حكم أسرة أونديمبا في الغابون

12
0

تنفرد جمهورية الغابون بخصوصية تميزها عن بقية دول وسط أفريقيا، وهي أنها لم تعرف على مدى أكثر من ستة عقود من الاستقلال إلا ثلاثة رؤساء، اثنان منهم أخرجهما الموت من السلطة، والآخر أخرجه انقلاب عسكري اليوم، هو علي بونغو أونديمبا، رجل الغابون الذي ورث السلطة عن والده المتوفى عام 2009، والناجي من جلطة دماغية وانقلاب عسكري، والمحاط بحماية فرنسية خاصة لم تنجه من انقلاب 12 ضابطاً غاضبين من تفشي الفساد في دولتهم الصغيرة الغنية بالنفط، التي لا تتعدى مساحتها ربع مليون كليومتر مربع، ولا يزيد عدد سكانها على مليون ونصف مليون مواطن، ويعد مؤشر التنمية البشرية لديهم الأعلى في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء.

 

أسرة واحدة تحكم

واستمدت الغابون اسمها من كلمة برتغالية تعني العباءة، في إشارة إلى شكل مصب النهر الذي يشق عاصمتها ليبرفيل، لكن الاستخدام الفعلي لمعنى اسم هذه الدولة التي نالت استقلالها عن فرنسا في أغسطس (آب) 1960، هو ما قامت به أسرة أونديمبا مع الحكم في أصغر وأغنى بلد في وسط أفريقيا.

ويقول الصحافي المختص بالشأن الأفريقي محفوظ السالك بتاريخ حكم هذه الأسرة للغابون بقوله “بعد وفاة أول رئيس للغابون، سنوات بعد استقلالها عن فرنسا، تولى عمر بونغو أونديمبا السلطة، وبقي فيها إلى أن توفي عام 2009″، ويضيف محفوظ “تولى نجله علي بونغو أونديمبا السلطة من بعده وبقي في السلطة إلى غاية اليوم، إذ أطيح به عبر انقلاب عسكري، بعد ساعات من إعلان فوزه بولاية رئاسية ثالثة”.

تحتفظ ذاكرة الغابونيين بعديد من القصص عن أسرة أونديمبا، فعمر الذي حكمها أكثر من 42 سنة ما هو إلا ساعي بريد قذفته الأقدار إلى المؤسسة العسكرية الذي تخرج منها ملازماً في سلاح الجو.

وسلك ألبرت برنارد بونغو (أي عمر)، الذي سيعتنق الإسلام لاحقاً طريقاً طويلاً للوصول لحكم الغابون، فعمل مديراً لمكتب أول رئيس للبلاد، لكن بونغو تعرض للاعتقال على يد جنود متمردين انقلبوا على الرئيس ليون إمبا (الرئيس الأول والأسبق لدولة الغابون) وخطفوه في انقلاب عام 1994 الذي لم يدم سوى يومين، وأنقذت قوات مظلية فرنسية الرئيس المختطف ومدير مكتبه بونغو وأعادتهما للسلطة، لتسلك الطريق أمامه للتفرد بالسلطة بعد وفاة سيده، ومنذ عام 1967 ظل يقود البلد النفطي الذي تتجاذبه تحديات جيرانه الذين عصفت بهم الحروب الأهلية.

وتسلم نجل رجل الغابون القوي السلطة من والده عام 2009، وعلي بونغو أوديمبا يشاركه باسمه العائلي 30 أخاً وأختاً تركهم والده الذي تزوج من كل قارات العالم تقريباً، وهذا يعني أنها أسرة وافرة عددياً ومتعلمة أيضاً، إذ درس كثيرون من أبنائها في المدارس والجامعات الفرنسية، مما منح هذه الأسرة من دون غيرها من الأسر الغابونية حظوة في السلطة، وبقيت فيها أكثر من نصف قرن بين أب ونجله، بحسب محفوظ.

وبعد عقد من حكم الغابون استيقظ علي بونغو أوديمبا على خبر تعرضه لمحاولة انقلابية عام 2019، لكن الحظ كان إلى جانبه في تلك المرة، ومنذ ذلك التاريخ خذلت صحة الرئيس طموحات نجل رئيس حكم أطول مدة بلداً أفريقيا في العصر الحديث، وبعد أربع سنوات أسدل الستار على تاريخ إحدى أعرق الأسر التي بقيت في السلطة لجيلين متواصلين.

نزف الانقلابات

واعتبر المختص في الشأن الأفريقي محفوظ السالك أن ما “حصل في الغابون هو امتداد لسلسلة الانقلابات التي حصلت في الدول التي تشكل تقليدياً مناطق للنفوذ الفرنسي، ففي الغابون توجد قاعدة عسكرية كبيرة بها مئات الجنود”، مضيفاً “صحيح أن الغابون عكس الدول الأخرى التي شهدت انقلابات منذ 2020 لم يسبق أن شهدت انقلاباً عسكرياً أطاح برئيس، وإنما حصلت محاولات آخرها كانت عام 2019 ضد علي بونغو، لكن الانقلابيين عززوا تحركهم ووضعوا حداً لنظام بونغو، مع الرفض الشعبي الواسع لحكم الرئيس منذ إصابته بجلطة دماغية عام 2018، ثم أيضاً رفض المعارضة النتائج واعتبار أن مرشحها فاز بالرئاسة، فضلاً عن استفادتهم من موجة الانقلابات في مالي وبوركينا فاسو والنيجر وغينيا كوناكري”، وبانقلاب الغابون اليوم تكون أفريقيا سجلت انقلابها الخامس الناجح في حيز جغرافي مترابط، بدأ مع آخر انقلابات القارة، فمالي وبوركينافاسو وغينيا كوناكري والنيجر واليوم الغابون أصبحت خارج النظام الدستوري، وتطمح بشراكة خاصة مع روسيا قد تعصف بالوجود الغربي في أفريقيا جنوب الصحراء.

وبعد مضي ساعات على انقلاب الغابون لم ينشر كثير عن حكامها الجدد، لكن المشترك بينهم مع عدد من حكام أفريقيا الجدد هو حداثة السن وتدني الرتب العسكرية.

الخاسر الأكبر

ويعيد انقلاب الغابون اليوم السؤال عن موقف فرنسا من هذا التغيير الدراماتيكي الذي عمق جراحها في منطقة نفوذها التقليدية في أفريقيا، ورأى السالك أن “فرنسا تعتبر علي بونغو أحد رؤسائها في المنطقة، وأنه يشكل استمراراً لنظام حكم والده عمر بونغو أونديمبا، وحافظ على مصالحها كما فعل والده من قبل، وبالتالي كانت تسكت عن حكم أسري في نظام جمهوري استمر على مدى 56 عاماً”.

وعن مستقبل العلاقة بين حكام ليبرفيل الجدد مع باريس قال محفوظ “لم يصدر عنهم بعد ما يؤشر إلى مناهضتهم باريس وحضورها، وهذا يعني أن الانقلاب قد يكون مشابهاً لما حصل في غينيا كوناكري، إذ إن زعيم الانقلابيين الرئيس الانتقالي الحالي مامادي دومبوي وفي لفرنسا، كما كان عليه الرئيس الأسبق ألفا كوندي، وقد يكون كذلك مشابهاً للحالة التشادية، إذ إن الرئيس الانتقالي محمد إدريس ديبي حافظ على الوفاء لفرنسا، كما كان شأن والده إدريس ديبي إتنو، وقد يناصب الانقلابيون العداء لفرنسا ويطالبون بمغادرتها، ويكون الانقلاب مشابهاً لغيره من الانقلابات في أفريقيا”، إلا أن الغابون الدولة الصغيرة المساحة قليلة عدد السكان محط اهتمام خاص من باريس، إذ إنها غنية بالنفط والمعادن والأخشاب، وكل هذه الثروات تستغلها شركات فرنسية منذ مطلع القرن الـ20، حتى بعد أن نال البلد استقلاله عن فرنسا، وهذا الوضع قد يدفع فرنسا إلى تبني موقف عدائي من الانقلابيين الجدد الذين قد يحرمونها من الامتيازات.

ونبه الشيخ محمد حرمة المختص بالقضايا الأفريقية إلى خصوصية غابونية مهمة، وهي أنه “على رغم الاضطرابات السياسية التي عاشتها الغابون أخيراً إلا أنها تعيش ازدهاراً اقتصادياً وانتعاشاً كبيراً، وتصنف من ضمن أكبر خمسة منتجين للنفط الخام في أفريقيا جنوب الصحراء، وتنتج سنوياً 454 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، ويقدر احتياطها من الغاز الطبيعي بأكثر من 26 مليار متر مكعب”.